كتابنا

صعوبة تخطّي وجع الخذلان

صعوبة تخطّي وجع الخذلان

✍️ بقلم: بيداء الموزاني
ليس الخذلان موقفًا عابرًا يمكن للإنسان أن ينساه بسهولة، فهو ألم يأتي غالبًا من أشخاص منحناهم ثقتنا، ووضعنا في أيديهم جزءًا صادقًا من قلوبنا. لذلك لا يكون الوجع في الفعل وحده، بل في انهيار الصورة الجميلة التي رسمناها لهم، وفي اكتشافنا أن المكان الذي ظننّاه آمنًا لم يكن كذلك.
تكمن صعوبة تخطّي الخذلان في أنه يترك داخل النفس أسئلة كثيرة بلا إجابات: لماذا حدث هذا؟ وهل كنت مخطئًا حين وثقت؟ وهل كان كل ما عشته صادقًا أم مجرد وهم؟ تبقى هذه الأسئلة تدور في العقل، فتستنزف الروح وتعيد الوجع كلما حاول الإنسان أن ينسى.
والخذلان لا يجرح القلب فقط، بل يهزّ ثقة الإنسان بنفسه وبالآخرين. فقد يصبح أكثر حذرًا، يخشى الاقتراب، ويتردد في منح مشاعره من جديد. وربما يعاقب أشخاصًا لم يؤذوه بسبب جرح سبّبه شخص آخر، وكأن القلب يبني حوله جدارًا حتى لا يتكرر الألم.
لكن تخطّي الخذلان لا يعني نسيانه، ولا يعني أن ما حدث كان بسيطًا؛ بل يعني أن نتوقف عن السماح له بالتحكم في أيامنا. أن نفهم أن صدقنا لم يكن خطأ، وأن وفاءنا لم يكن ضعفًا، وأن الخلل لم يكن في القلب الذي أحب بإخلاص، بل فيمن لم يعرف قيمة ذلك الإخلاص.
يبدأ التعافي حين نتقبل أن بعض الأبواب أُغلقت رحمةً بنا، وأن بعض الأشخاص خرجوا من حياتنا لأن بقاءهم كان سيمنحنا وجعًا أكبر. ومع مرور الوقت ندرك أن الخذلان، رغم قسوته، علّمنا أن نرى الناس بوضوح، وأن نضع حدودًا تحمي كرامتنا من دون أن نفقد طيبتنا.
قد يستغرق الشفاء وقتًا طويلًا، وقد يعود الألم في لحظات لم نتوقعها، لكننا في كل مرة ننهض فيها نصبح أقوى. فالقلوب التي تنكسر لا تنتهي، بل تعيد بناء نفسها بصورة أكثر وعيًا ونضجًا، حتى يأتي يوم نتذكر فيه ما حدث من دون أن يؤلمنا، ونعرف أننا لم نتجاوز الخذلان فحسب، بل تجاوزنا النسخة القديمة منّا التي كانت تخشى الحياة بعده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى