كتابنا

لماذا تهتز الدولة العراقية من تغريدة خارجية:   هشاشة القرار والسيادة

لماذا تهتز الدولة العراقية من تغريدة خارجية:   هشاشة القرار والسيادة

 

كتب ✍🏻 إحسان الموسوي

لم يعد مستغربا في المشهد العراقي ان تثير تغريدة لمسؤول اجنبي او تصريح عابر لدبلوماسي حالة من الارتباك السياسي والامني والاعلامي داخل البلاد فالسوق يضطرب والقوى السياسية تتأهب والشائعات تنتشر والمواطن يستعد نفسيا لسيناريوهات الازمات هذه الحساسية المفرطة تجاه الخارج لا تعكس قوة التأثير الخارجي بقدر ما تكشف ضعفا بنيويا عميقا في الداخل

الدول المستقرة لا تتغير سياساتها بسبب تصريح لان القرار فيها يصنع داخل مؤسسات راسخة تستند الى شرعية شعبية واقتصاد منتج وسيادة واضحة اما حين يصبح التصريح الخارجي عاملا مؤثرا في التوازنات الداخلية فذلك يعني ان بنية الدولة نفسها تعاني من خلل في مصادر القوة والشرعية

المشكلة في العراق ليست اعلامية ولا نفسية فقط بل هي مشكلة هيكل دولة لم يكتمل فمنذ عام 2003 تشكل النظام السياسي في ظل تدخلات دولية مباشرة ثم استمر لاحقا كساحة نفوذ متداخلة بين قوى اقليمية ودولية وبمرور الوقت ترسخ واقع يجعل القرار الوطني رهينة توازنات خارج الحدود وعندما ترتبط مصالح القوى الحاكمة بدعم خارجي سياسي او مالي او امني يصبح اي تغير في خطاب تلك القوى تهديدا مباشرا لمواقعها

الطبقة السياسية نفسها لم تتطور الى طبقة دولة بل بقيت طبقة احزاب تبحث عن الحماية والمكاسب ولاؤها للحزب او الجهة الداعمة قبل ولائها للمؤسسات لذلك لا تملك قواعد شعبية صلبة تدافع عنها عند الازمة السياسي العراقي مكشوف الظهر لا يحتمي بشرعية الانجاز ولا بثقة المواطنين ولهذا يرتبك مع كل اشارة من الخارج لان بقاءه مرتبط بالتفاهمات لا بالارادة الشعبية

اقتصاديا يعاني العراق من هشاشة واضحة فهو اقتصاد ريعي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط الموازنة والرواتب والخدمات مرتبطة بسعر برميل تحدده اسواق خارجية وقرارات دولية لذلك فان اي حديث عن عقوبات او ضغوط مالية او قيود مصرفية يتحول مباشرة الى قلق مجتمعي حقيقي الاقتصاد غير المنتج يجعل السيادة الاقتصادية محدودة ويجعل البلد شديد الحساسية لاي متغير خارجي

امنيا لا تزال المؤسسات تعاني من تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القوة السلاح ليس حكرا على الدولة بشكل كامل وبعض القوى ترتبط بعلاقات اقليمية معلنة او غير معلنة في بيئة كهذه يصبح التصريح الخارجي رسالة لاعادة التموضع لا مجرد موقف سياسي وهنا يتحول الخارج الى لاعب داخلي فعلي

اجتماعيا تراكمت ازمة الثقة بين المواطن والدولة عقود من الفساد وسوء الادارة وضعف الخدمات جعلت الناس لا تصادق الخطاب الرسمي لذلك يصدق المواطن الاشاعة او التصريح الاجنبي اكثر مما يصدق البيان الحكومي   حين تفقد الدولة مصداقيتها تفقد قدرتها على تهدئة الشارع وتوجيه الرأي العام

كما لعب الاعلام الحزبي دورا سلبيا في تضخيم كل حدث فبدلا من تقديم تحليل رصين اصبح السباق نحو الاثارة وخلق الذعر اداة لتحقيق مكاسب سياسية ومع غياب مؤسسات اتصال حكومية محترفة تتشكل روايات متناقضة تزيد الفوضى بدل ان تقللها

ولا يمكن اغفال الاثر النفسي الجمعي فالمجتمع العراقي عاش حروبا وحصارا واحتلالا وارهابا وانهيارات اقتصادية متكررة وهذا الارث صنع حالة خوف مزمن من المجهول لذلك يتفاعل الشارع بسرعة مع اي اشارة خارجية لانه يتوقع الاسوأ دائما فالذاكرة الثقيلة تجعل الاستقرار النفسي هشا

الخلاصة ان المشكلة لا تكمن في التغريدة ولا في التصريح بل في ضعف مناعة الدولة فحين تكون السيادة منقوصة والاقتصاد ريعيا والشرعية مهتزة والمؤسسات ضعيفة يصبح الخارج قادرا على تحريك الداخل بكلمات قليلة الدول القوية تؤثر في الخارج اما الدول الهشة فيؤثر فيها الخارج

استعادة التوازن لا تحتاج خطابات عالية السقف بل مسارا واقعيا يبدأ ببناء مؤسسات محترفة مستقلة وتقليل الارتهان الاقتصادي وتثبيت احتكار الدولة للسلاح وخلق عقد ثقة جديد مع المواطن عبر خدمات حقيقية ومحاسبة فعلية للفساد عندها فقط سيفقد التصريح الخارجي قدرته على ارباك الداخل ويعود القرار عراقيا خالصا

فالدولة التي تقف على قدميها لا تهتز من تغريدة بل تجعل الاخرين يحسبون حساب كلماتها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى