كتابنا

مغول العصر والوحوش الضارية في منطقتنا!

 

 

د. عدنان منصور*

 

 

مَن قال إنّ جنكيزخان، وتيمورلنك، وهولاكو كانوا قمة الإجرام أثناء اجتياحهم للبلاد، وإنّ جرائمهم لا تضاهيها جرائم؟! مَن قال إنّ الوحوش البشرية التي تقتل وتبيد بِاسم الإسلام اليوم، تقلّ في وحشيّتها عن همجيّة المغول؟! مَن قال إنّ وحوش هذا الزمان التي ارتكبت وترتكب المجازر على مدى قرون بحق أبناء المكوّنات الدينية، والطائفية، والاجتماعية في العالم الإسلامي، هي التي تجسّد تعاليم الإسلام الحقيقي وقيَمه ورسالته؟! مَن سمَح لهؤلاء البرابرة المجرمين الذين عبثوا بقيَم الدين الإسلامي وسماحته، وأعطوا الحق لأنفسهم أن يتعاطوا مع سائر الأديان والطوائف بمنطق شريعة الغاب، ليكفّروا، ويذبحوا، ويقتلوا، ويحرقوا الإنسان على مرأى من العالم كله، وعلى صيحة التكبير؟!

أي وحوش بشرية نمَت وترعرعت في ديار العرب والمسلمين، وسلكت نهج الوحش شمر بن ذي الجوشن الذي حزّ رأس الإمام الحسين، وورث أفعاله جيلاً بعد جيل، إلى أن ظهر قبل سبعة قرون ونصف القرن، شيخ الفتنة الكبرى، الذي حكم على طوائف وملل بالكفر والزندقة، وأباح قتل دم أبنائها وهدره! حكم جائر مطلق، وجد تطبيقه في ما بعد، على يد “دعاة” دين، ووعاظ سلاطين، ومتكسبين دنيويين، وورثة مشرعي الإرهاب، هم أبعد ما يكونون عن الدين الحنيف، وتسامحه، وهم يحرّضون على التطرّف، ويختزنون في نفوسهم حتى النخاع الكراهية، والحقد، والتعصّب، وتكفير الآخر.

لماذا تصرّ هذه الفئة التكفيرية، في كلّ زمان ومكان، أن تعاقب، وتقتصّ، وتزدري، وتكره سائر المكونات الاجتماعية، والدينية، والطائفية الأخرى في مجتمعاتنا، التي تتعارض معهم في نهجهم، وسلوكهم، وأدائهم،

وممارساتهم التي تشوّه مبادئ الإسلام الحقيقية وأخلاقه وقيَمه، وتسيء إليه وإلى رسالته الروحانية والإنسانية السمحاء، التي أرادها الله أن تكون في خدمة الإنسان وخير العالمين.

مَن سمَح لهؤلاء التكفيريين، الذين ابتُلي بهم المسلمون وغير المسلمين من مختلف الأديان، والطوائف، والمذاهب، أن يكرهوا الناس بالقوة، ويفرضوا عليهم معتقداتهم، وأفكارهم المدمّرة، ليعملوا بموجبها، ويلتحقوا بهم، ويتشرّبوا في ما بعد عقيدة التكفير المقيتة؟!

من خوّل المتوحّشين الإرهابيين، المتعطشين لسفك الدماء، وريح القتر، والمدمنين على قطع الأعناق، وحرق الأحياء،

وصلب البشر، كي يفرضوا معتقداتهم المنحرفة الضالة على الآخرين، التي تتعارض كلياً مع القيَم الدينية والإنسانية؟!

من خوّل هؤلاء حتى يكفّروا هذا، ويظرفوا ذاك! بموجب أيّ دين وشريعة إلهية، ترتكب هذه الوحوش البربرية المجازر ضدّ الأبرياء من الناس هنا وهناك؟! هل سمع هؤلاء يوماً أنّ مسيحياً، او أزيدياً، أو درزياً، أو شيعياً، أو علوياً، أو إسماعيلياً، فجّر نفسه في جامع أو كنيسة؟! هل سمعنا مرة أنّ واحداً من هذه الطوائف فجّر نفسه وسط مجموعة من الناس المدنيين العزل؟! هل شاهدنا واحداً من هؤلاء يحرق إنساناً في قفص مثل ما فعله الإرهابيون التكفيريون مع الطيار الأردني الأسير معاذ الكساسبة، دون أيّ التزام ديني وإسلامي لجهة معاملة الأسير، أو أيّ اعتبار لقول الرسول الكريم وسنّته: “إياكم والمثلى ولو بكلب عقور”؟!

ليقل لنا هؤلاء المغول الجدد، بموجب أيّ دين وأيّ مذهب، وأيّ شريعة، يقوم تكفيريّ متوحّش بتفجير نفسه وسط المصلّين داخل مسجد، وداخل كنيسة؟! بموجب أيّ دين، وأي شريعة إلهية، يقوم مسلحون مجرّدون من أيّ حسّ ديني وإنساني، بقتل وذبح رجال دين من طائفتهم وغير طائفتهم، وإبادة قرى بأكملها، يقتلون نساءها وأطفالها، وشيوخها، ويشرّدون مَن تبقى منهم، وينهبون ممتلكاتهم، ويستبيحون دور عبادتهم، ويحرقون مزارعهم، وكلّ ذنبهم أنهم ينتمون إلى طوائف أخرى؟!

مَن وراء هولاء القتلة المجرمين؟! مَن يوقفهم عند حدّهم؟! مَن هم رجال الدين الذين يفتون من عندياتهم للإرهابيين لتنفيذ جرائمهم ضدّ من هم على خلاف ملتهم، ويحرّضونهم على القتل بذريعة الدفاع عن الإسلام والمسلمين؟! رجال الدين الذين يفتون لهؤلاء، ويزكّون أفعالهم، ويبرّرون جرائمهم، ومجازرهم، هم أكثر إجراماً، وإرهاباً، وقتلاً، تحريضهم للإرهابيين بصفتهم حماة الدين، وسكوتهم عن أفعالهم، يجعلهم شريكاً لهم في جرائمهم الوحشيّة!

كيف يمكن لرجال دين أن يُفتوا زوراً وبهتاناً، ويحرّضوا العناصر الإرهابيّة على قتل مَن هم من دينهم وطائفتهم، ومن غير دينهم وملّتهم، دون شفقة أو رحمة؟! ليت هؤلاء دبّت فيهم غيرة الدين، ونخوة الكرامة والشرف، ليحضّوا أتباعهم على إعلان النفير والجهاد ضدّ الغزاة الإسرائيليّين، والوقوف إلى جانب الفلسطينيّين لتحرير الأرض العربيّة ومقدّساتها من شذاذ الآفاق، والدفاع عن أبناء جلدتهم في غزة!

التكفيريّون الذين أهدروا دماء عشرات الآلاف من الأبرياء خلال السنوات الـ 15 الأخيرة وقتلوهم بحجة الدفاع عن الإسلام، ما الذي قدّموه لنصرة أبناء غزة الذين يُسحَقون، ويُجوّعون، ويُحاصَرون، ويُقتَلون ويُبادون على أيادي جيش الاحتلال، على مرأى منهم ومن العالم كله؟

أين رجال “الدين” الغيارى، الذين احتضنوا التكفيريّين من نجدة شعب غزة! أين “دينهم”، و”شرفهم” و”ضميرهم” الغائب؟! أين “كرامتهم” و”شهامتهم” و”إيمانهم”، و”إسلامهم” من هولوكوست غزة؟! ألا تستحق غزة منكم يا أعداء الدين والإنسانيّة، ورعاة التكفير ودعاة القتل، والتهجير، القليل القليل، مما امتنعتم عن تأديته، فيما آلاف الشهداء المدنيين سقطوا على أيدي التكفيريين القتلة الذين احتضنتموهم، ووجهتموهم، وأفتيتم لهم الإرهاب، وأقنعتموهم أنّ الحوريّات، واللبن والعسل بانتظارهم، فغرستم في عقولهم المتحجّرة الفكر التكفيريّ، ودفعتموهم إلى “جهاد” النكاح، وأعدتم سوق النخاسة، والسبي، عملاً بفتاويكم المزيّفة التي ألصقتموها زوراً بالإسلام، فعاثوا في الأرض جوراً وفساداً، فقتلوا، واغتصبوا، وسبّوا، ودمّروا، ومثلوا بالجثث، وكان الإسلام منكم ومنهم براء

أمام هول ما شاهدناه ونشاهده من مجازر،وقتل،وعنف،وإرهاب، على يد التكفيريّين في العالم الإسلاميّ، الذين لا يضاهيهم في وحشيتهم ومجازرهم سوى المجرمين الصهاينة، لا بدّ من جميع أبناء المكوّنات الدينية والطائفية، والمذهبية، والقومية الشرفاء في بلادنا المشرقيّة، دون استثناء، مسلمين ومسيحيين، سنة وشيعة وعلويين، ودروزاً وموارنة وأرثوذكس وكاثوليك كي يتّحدوا، ويقفوا صفاً واحداً في مواجهة المغول الجدد، وموجّهيهم من دعاة ورعاة الفتنة، والتعصّب والحقد والكراهية، دفاعاً عن الإنسان، وحريّته، وحقه في الحياة والعيش الكريم بأمان وسلام، دون ترهيب أو تخويف أو تهديد، وهو حق إلهيّ وإنسانيّ كفلته الأديان والشرائع السماوية السمحاء.

في الماضي كانت نكبة الشعوب الحرّة على أيدي جنكيزخان، وتيمورلنك، وهولاكو، واليوم تأتي النكبة الكبرى على يد “إسرائيل”، وعملائها من إرهابيّين تكفيريّين، محتمين بفتاوى دعاة قاسية قلوبهم، متحجّرة عقولهم، محنّطة إنسانيتهم، كلّ همّهم تكفير الآخرين من ملّتهم وغير ملّتهم، وإنْ أدّى ذلك إلى خراب دول، وتدمير شعوب، وتفتيت نسيجها الوطني، وسفك دماء مئات الآلاف من أبنائها الأبرياء.

ليعلم اللبنانيون، كلّ اللبنانيين دون استثناء، أنّ لبنان في دائرة التصويب، والخطر الشديد، وهو مستهدَف مباشرة من قبل “إسرائيل” ومن الفصائل الإرهابية. إنّ ما حصل في جنوب سورية، مؤشر خطير، وإنذار قويّ للبنان. لذا لا بدّ من المكونات اللبنانية بكلّ طوائفها دون استثناء، أن تتخذ موقفاً موحّداً، جامعاً، حاسماً، وحازماً، اليوم قبل الغد، لأنّ الجميع مستهدَف من قبل جحافل التكفيريّين، المتعطشين لارتكاب جرائم الإبادة، والقتل الجماعيّ بحق أبناء سائر مكوّنات شعوب المنطقة.

المسؤوليّة الكبيرة التي تقع على عاتق شعوب المنطقة وجميع مكوّناتها، تقضي باقتلاع شجرة الكراهيّة من جذورها، والقضاء على تتار العصر وإرهابهم، حتى تنعَم شعوبنا بالحرية، والأمان، والتسامح، والسلام…!

 

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى