غزة رواية كربلاء العصر: حين سار حسن وهاشم معًا إلى الله

*بقلم ناجي علي امهز*
قال الجد، وقد انحنى على عصاه كأن الأرض نفسها انحنت معه خشوعًا، ونظر في وجوه أحفاده كمن ينظر في مرآة الزمن البعيد:
يا وجع الحرف، ويا ثقل الكلمات حين تصير الشهادة هي القصيدة.
يا فاجعة ما بعدها فاجعة، استُشهد الحسينُ في عصرٍ يُصفّق فيه العالم للجلّاد، وسقط العبّاسُ في زمنٍ صار فيه الوفاء تهمة، والدّمُ الطاهرُ يُشهر في وجوهنا وكأننا المذنبون.
“يا أولادي… اجلسوا. اقتربوا من قلبي قبل أن تصغوا إلى كلماتي. امسكوا بهذه اليد التي لم تعد تقوى، فهي ذات اليد التي صُفّقت ذات يوم لهتاف: ‘لبيك يا نصرالله’، وها هي اليوم تُرتجف، كأنها لا تزال تتلمّس جثمانين… جثمان الحسين، وجثمان العباس”.
“أتعرفون ماذا يعني أن يُستشهد الحسين؟ يعني أن الأرض فقدت بوصلتها. أن السماء سقطت ركعةً بلا قيام. أننا صرنا يتامى، لا أيتام الحرب، بل أيتام اليقين”.
“ذلك الشاب الذي أخبرتكم عنه، اسمه حسن، لكن الناس ما عادوا ينادونه إلا بـ’سيد المقاومة’. كان مزيجًا عجيبًا من العزم والتواضع، يلبس السواد في زمن الألوان البراقة، ويصعد إلى المنابر لا ليُصفّق له الناس، بل ليحمل عنهم ثقل دمائهم. إنكم لم تروا بأعينكم يوم خرج الإمام الحسين إلى كربلاء، ولكني رأيت بأمّ العين حين خرج حسن نصرالله إلى غزّة. خرج لا بخطبة ولا ببيان، بل بدمه… بدمه! حمل دمه في يده، ووضعه فوق راية فلسطين وقال: ‘خُذوني إن كانت غزة تحتاج رجلاً، وذروا لي الموت إن لم أكن على قدر دمعتها’. رحل يا أولادي… لم يمت على فرس، بل احترق قلبه وهو يرى أجساد الأطفال تُنتشل من تحت الركام”.
“وقد كان له أخٌ في درب الجهاد، لا من رحم أمّه بل من رحم العقيدة، اسمه هاشم. رجلٌ صامت كالظل، لكنه إذا تكلّم خرس العاصفون. لم يكن العباس يومًا ظلًا للحسين، بل كان تجليًا من تجلياته، وهكذا كان هاشم لحسن، لم يكن تابعًا بل انعكاسًا. كان العباس الجديد، لا يسقي العطاشى ماءً بل كرامة”.
يا أحبابي، هل رأيتم يومًا صديقًا لا يفارق صديقه حتى في الموت؟ هل رأيتم ظلاً لا يخون صاحبه حين تميل الشمس؟ هذه ليست رواية خيالية، هذه كربلاء العصر بلغة البنادق الذكية والطائرات المسيّرة، بلغة الغدر السياسي والنفاق العربي.
قبل ولادتكم بعقد من الزمن “وفي سنة 2024، قال الحسين الجديد، حسن: ‘أما آن للناس أن يعرفوا من هو العباس الذي كان معي؟’ فخرج هاشم من الظلال، مرفوع الرأس، وقال: ‘أنا شهيد طريقك، ودرعك ما حييت، فإن سرتَ إلى موتك سرتُ، وإن بقيت، فأنا عينك التي تحرس لياليك'”.
“وهاشم؟ عباسه الذي لم يُفلت الراية؟ ذاك الذي وقف على التل، يلوّح بقبضته وينادي: ‘سيدي… إن سقطت، فأنا السور من بعدك’. قالها كما قال العبّاس ذات يوم: ‘يا سيدي، لا طعم للحياة بعدك’. ومشى في درب الموت، مبتسمًا، كأن الأرض خفيفة تحت قدميه، وكأن الطلقات تعرف أنه صائم عن الدنيا”.
كان هاشم، رجلٌ صامت كالظل، لكنه إذا تكلّم خرس العاصفون. كان العباس الجديد، لا يسقي العطاشى ماءً بل كرامة، ولا يقطع النهر بفرسه، بل يقطع الصمت بفكره وصلاته.
ذلك الزمان، يا أحبتي، لم يكن بسيطًا كما تظنون…
كان فيه شعوب تنام على الجوع وتصحو على القصف، وكان فيه من يدّعي الثورة في المساء، ويبيع بلده في الصباح.
لكن حسن وهاشم، كانا هناك، كصوت الطمأنينة في ليل الذعر، يزرعان الرجاء في أرضٍ يابسة بالخذلان.
استُشهد الحسين، بعد أن كتب لنا آخر فصول كربلاء على تراب غزة…
واستُشهد حسن نصرالله، لأن اطفال عزة ناشدوه.
“لكن الموت ما كان ليرحم القلوب النادرة، فغدروا به. وما لبث أن لحِق هاشم بسيده، كأن الشهادة كانت موعد عشق لا يُؤجَّل. أبى ذلك الرجل الجبّار أن يُدفن حسن دون أن يدفن قلبه معه، فقال للموت: ‘إن كان لابد، فخذني إليه… لا أطيق الحياة بعده’. فصعد، شهيدًا كالعباس، وغزّة كلها تنادي: ‘واحسيناه… ها قد صلبونا من جديد!'”
“يا أولادي… من بعدهم، صارت الحياة شتيمة، وصار الفجر جنائز. أيها الأحياء، الذين تمشون بأقدامٍ لا تشعر بثقل الدماء تحتها، هل سمعتم صديقًا يقول لصديقه: ‘إن متّ، أنا بعدك…’؟ هاشم قالها… ونفّذ. وحسن قالها… ونفّذ. هذه هي الصداقة التي علّمتنا كربلاء. لا شاشات، لا إعجابات، لا رسائل. بل دمٌ، وعهدٌ، وحبٌ حتى آخر قطرة روح”.
يا الله… إن كانت الشهادة عطراً، فلِمَ جعلت عبيرها يُذيب أرواحنا؟ لِمَ جعلت قلوبنا مراياً للقبور؟
وهنا، نزل الجد عن كرسيّه، ومشى نحو حفيده الأكبر، ووضع يده على صدره، وقال بصوته الذي صار وصية:
“إذا ما سألَك أحدهم يومًا عن معنى الشرف، فقل: رأيتُه يُسجى في كفن من تراب غزة، واسمه كان حسن، وكتفه كان هاشم… وحين استُشهدا، ما انكسرنا، بل خُلقنا من جديد”.
هكذا مات السيّد…
هكذا مات هاشم…
الفرق الوحيد؟
أن الحسين في كربلاء لم يكن معه أحد،
أما في غزة…
فكان معه جيش،
جيش من شهداء،
من قلوب كانت تدعو له،
وعيون تبكيه دما وكانه نفس كل واحد منها:
“يا حسين، نم قرير العين… ما زال العباس يولد…
وما زالت دماؤك تتوضأ بفجر المقاومة.”
ثم سكت الجد، وربّت على رأس الحفيد، وقال:
“لا تُخدعوا يا صغاري بالبريق الصناعي، فالروح لا تُستنسخ… والحسين لا يُزيف… والعباس لا يُباع على قارعة التسويق. وما زال هاشم يولد من رحم حسن وحسن يولد من رحم العباس والعباس يولد من رحم الحسين، ما دامت القدس تنادي”.


