القيامة تبدأ من كربلاء

د. بتول امين عرندس
في عالم تتسارع فيه الاكتشافات العلمية وتتوسع حدود المعرفة لم تعد الأسئلة الكبرى حكرًا على الفلاسفة أو أهل الدين بل أصبحت الفيزياء الحديثة تطرح أسئلة وجودية عميقة تهز يقين الإنسان بما ظنه يومًا مستقرًا ومن بين هذه النظريات التي يندر أن تُعرض في مجالسنا أو تُناقش في منابرنا الدينية هناك فرضية علمية تُعرف باسم اضمحلال الفراغ الزائف وهي احتمال مفزع يشير إلى أن الكون كما نعرفه قد ينتهي فجأة دون سابق إنذار حين تتحول حالته من طاقة غير مستقرة إلى طاقة أكثر استقرارًا عبر ما يُسمى بالفراغ الحقيقي فيما يُعرف علميًا بحدوث فقاعة قاتلة تنتشر بسرعة الضوء وتُعيد تشكيل قوانين الفيزياء وتفكك المادة ذاتها وتُنهي كل مظاهر الحياة في أقل من لحظة
هذا السيناريو العلمي لا يستند إلى خيال روائي بل إلى تحليلات دقيقة تتعلق بجسيم هيغز الذي اكتشف حديثًا والذي يُعد المسؤول عن منح الكتلة للجسيمات ومعناه أن حالة الكون الحالي قد تكون غير نهائية أو مستقرة بالكامل وهذا يجعل من الفناء المفاجئ احتمالًا قائمًا في كل لحظة دون سابق إنذار وهذا بحد ذاته يعيد الإنسان إلى مركز تساؤلاته الأولى عن ماهية وجوده وعن جدوى سعيه في عالم لا أمان له من جهة المادة
هذه النظرية العلمية تلتقي بوضوح مع ما تحدث عنه القرآن الكريم عن يوم القيامة فهو يوم لا يعرف موعده ولا يمكن التنبؤ به ويأتي بغتة كما في قوله تعالى لا تأتيكم إلا بغتة ووصفه بأنه يوم تُطوى فيه السماء كطي السجل للكتب وأن الأرض تُبدل غير الأرض والسموات وتقوم فيه الموازين للحساب فالقيامة في الرؤية القرآنية ليست تحولًا ماديًا فقط بل كشفًا لحقيقة العمل والنية والاختيار وكل ما في الصدور
وفي هذا السياق تتفوق الرؤية الدينية في تفسير نهاية العالم لا باعتبارها خللًا فيزيائيًا عشوائيًا بل بوصفها عدلًا إلهيًا محضًا فيه تظهر نتائج الأفعال وتُعلن حقائق الناس التي كانت مخفية أما زر التدمير الذاتي في الفيزياء فهو صامت بلا عدالة ولا حساب وبهذا فإن الفرق الجوهري بين الزر الفيزيائي ويوم القيامة في العقيدة الإسلامية هو أن الأول مجرد سيناريو محتمل فيزيائي بينما الثاني مشهد وجودي شامل تتجلى فيه رحمة الله وعدله
أما فكر أهل البيت عليهم السلام فقد قدّم رؤية شديدة العمق والاستبصار تربط الفناء باليقظة وترى في كل تحوّل في الكون دعوة إلى إصلاح النفس وتأهيل القلب فقد قال الإمام علي ما أكثر العبر وأقل الاعتبار وهو بذلك يدعو إلى أن كل ما يجري حولنا من ولادة وموت وتحول وزوال هو رسائل متكررة للرجوع إلى الذات وتذكّر المصير المحتوم وبهذا تكون القيامة حاضرة في وعي المؤمن قبل أن تكون في واقعه
الحسين بن علي حين خرج في كربلاء كان يدرك تمامًا أنه يتقدم إلى الفناء الجسدي لكنه في المقابل كان يخطّ مسار الخلود الروحي والأخلاقي لأنه أراد أن يعلم الناس أن القيمة ليست في البقاء بل في الموقف وأن الخسارة الحقيقية لا تكون بالموت بل بالصمت أمام الظلم وكل إحياء لذكرى عاشوراء هو تجديد لهذه الحقيقة بأن الإنسان لا ينجو بالبقاء بل بصفاء نيته وصدق وقوفه
الواقع العلمي الذي نعيشه اليوم والذي يعترف فيه العلماء بإمكانية زوال الكون فجأة دون سابق إنذار يجعل من فكرة القيامة ليست فقط مقبولة عقلًا بل مطلوبة وواقعية وهي تؤكد أن كل من ينتظر علامة أو إنذار ليغير نفسه قد يفوته وقت النجاة لأن النهاية قد تأتي بلا صوت وبلا ظل وهذا ما يجعل فكر أهل البيت أكثر ضرورة لأنه يجعل من كل يوم فرصة للحساب ومن كل دمعة استعدادًا للعرض ومن كل لحظة تأملًا أخلاقيًا في المصير
إن زر التدمير الذاتي وإن كان احتمالًا علميًا إلا أنه يحمل في طياته حجة كبرى على الناس أن لا ينتظروا آخر الزمان ليغيروا ذواتهم بل أن يعيشوا وكأن القيامة على الأبواب وأن يفهموا أن القيامة ليست فقط يومًا آتيًا بل سلوكًا يوميًا يحضّنا على التوبة والتغيير والعودة إلى الله بالحسنى
لقد علّمنا الحسين أن نزرع الموقف حتى لو علمنا أن المعركة خاسرة كما علّمنا النبي محمد أن إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها ومعناها أن الزر الحقيقي ليس في يد الكون بل في يدك أنت وأن الحياة ليست في طولها بل في صدقها وأن الفناء لا يُخيف من صحّت نيته وأن من أصلح سريرته لن يخاف من زوال الأرض بل سيستبشر بلقاء وجه الله الرحيم


