“هيهات منّا الذلة.. والموقف لا يُباع ولا يُشترى”
✍كتب: سمير السعد
في كل زمانٍ ومكان، كانت كربلاء عنوانًا خالدًا لمواجهة الظلم والطغيان، وهي ليست واقعة تاريخية تُبكى فحسب، بل مسار ثوري حيّ يتجدد كلما ارتفعت رايات الاستكبار وسُفكت دماء الأبرياء. وما أشبه اليوم بالأمس! فالمشهد الذي رسمه الحسين عليه السلام في صحراء كربلاء، يتكرّر اليوم في شوارع غزة، وفي كل أرضٍ تنزف حرية وكرامة تحت نيران الاحتلال الصهيوني والعدوان الأمريكي المتغطرس.
هناك، يُحاصر الشرفاء، وتُذبح القيم على أعتاب المصالح، بينما أمريكا، عدوة الشعوب الحرة، تزوّد القتلة بالسلاح وتغسل أيديهم بالشرعية، والكيان الصهيوني يبطش بلا رادع، معتقدًا أن آلة البطش ستخرس صوت الأحرار. غير أن الميدان يكذّب هذه الأوهام، فها هي إيران – التي طالما كانت شوكة في خاصرة المشروع الصهيوني الأمريكي – تسجّل في المواجهة الأخيرة موقفًا مشرفًا يُحسب للأحرار، حيث أربكت حسابات الكيان الغاصب، وكشفت هشاشته أمام محور المقاومة. الرد الإيراني الحاسم لم يكن استعراضًا عسكريًا فقط، بل رسالة سياسية وأخلاقية تقول إن زمن الاستفراد الصهيوني قد ولى، وإن المعادلة تغيّرت بفعل إرادة الشعوب المقاومة.
من تربّى في مدرسة الحسين لا ينكسر، ومن نهل من نداء “هيهات منّا الذلة” لا يساوم، ومن صلّى تحت لهيب السيوف لا يخشى تهديدًا ولا يخضع لقوة. الحسينيون ليسوا موسميين في مواقفهم، ولا انتقائيين في شعاراتهم، بل هم ثوار بالفطرة، ومبدئيون في الميدان، لا يبدّلون موقفهم مهما تبدّلت الظروف.
يخطئ من يظن أن الحسينيين سيتراجعون عن موقفهم الرافض لأمريكا، وللكيان الصهيوني، ولذيولهم في الداخل والخارج. ومن يربط مصيره ومستقبله بمشروعهم السياسي والعسكري والاقتصادي، فقد اختار الخسارة والهوان. هؤلاء مهزومون لا محالة، لأن الهزيمة الفكرية والأخلاقية سبقت حتى صراخهم، وإنّ سقوطهم بات قاب قوسين أو أدنى. يرونه بعيدًا ونراه قريبًا.
إن من يقف اليوم في وجه هذا الحلف الظالم – الأمريكي الصهيوني – لا يفعل ذلك من باب السياسة، بل من منطلق العقيدة والحق والكرامة. من يقاوم في غزة، من يصرخ في بغداد، من يرفع قبضته في صنعاء، من يرفض التطبيع في بيروت، ومن يثبّت معادلة الردع في طهران، كلهم أبناء الحسين، يمضون على خطاه، ويؤمنون أن كربلاء لم تنتهِ، بل بدأت، وأن الانتصار ليس بعدد ولا عُدة، بل بثبات الموقف ونقاء النية.
لقد علّمنا الحسين عليه السلام أن لا نمنح الشرعية للباطل، ولا نمدّ أيدينا للظالمين. من يحمل رايته اليوم، لا يمكن أن يصافح قاتلًا، أو يضع يده في يد مغتصب، أو يساوم على دم طفل أو حرمة أرض. نحن أبناء مدرسة تقول:
“كلا والله لا نعطيكم بيد إعطاء الذليل، ولا نُقرّ إقرار العبيد.”
وسيبقى هذا الصوت مدوّيًا في وجه أمريكا، وفي وجه إسرائيل، وفي وجه كل خائنٍ باع وطنه بثمن رخيص. كربلاء اليوم حاضرة في غزة، وفي كل ساحة مواجهة، والموقف الحسيني لا يتغير، لأن الحق لا يشيخ، ولأن راية الحسين لا تُنكّس، مهما عظمت التضحيات.