كتابنا

النهضة الحسينية أسرار القوة والخلود

النهضة الحسينية أسرار القوة والخلود

 

  ✍ كتب :حيدر شاكر
تعد واقعة الطف الخالدة من أسوأ الفواجع التي عرفتها البشرية ،وأول مجزرة إنسانية شهدها التاريخ الإسلامي ،فقد جُمعت مظلومية الأمام الحسين (عليه السلام) والجريمة النكراء التي قامت بها السلطة الأموية الغاشمة بأبشع صورها وبين الانحطاط والتنكر لقيم العروبة والإسلام ،واظهرت الحقد الدفين والجفاء بحق الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله ،فانتهكت قدسية الانسان بلا وجل ولا استحياء ،وعلى الرغم من قسوة الواقعة ،إلا أنها مدرسة مثالية متكاملة فريدة في التاريخ ،وملحمة إنسانية في غاية الجمال والتلاحم والحكمة ،فلم يشهد تاريخ الإنسانية نهضة هزت وجدان العالم ومجدت الحق ،مثل نهضة الامام الحسين ،فجميع فصولها ومراحل انطلاقها دروس وعبر وقيم ومبادئ ومفاهيم سياسية وفلسفة ثورية ،وقد حفلت بالعطاء الخالد الذي لاينضب والايمان الذي لايقهر ،والآباء الذي لايقارن بسواه،لاشك أن الثورة الحسينية بشخوصها وأهدافها وغاياتها ومعانيها السامية ،غير قابلة للمقارنة بأية ثورة أخرى مهما حملت من أهداف اصلاحية أو تغييرية ،وكلما تقادم الزمن أصبحت عاشوراء أكثر رسوخاً في وجدان الأمة ،ومصدر قوة واقتداء للأجيال المتعاقبة ،ومصدر استلهام للأحرار والثائرين والصادحين بالحق ،لأنهامدرسة اجتازت جغرافية المكان والزمان ،وديناميكية ثورية صالحة للبقاء والخلود ،ومشروع شهادة وتضحية ومقاومة للجور والطغيان عبر الازمنة والعصور واستمدت عظمتها من رسالة الإسلام ووحي القرآن وقّيم السماء،وعنفوانها من دماء الشهادة فأصبحت رمزاً للصراع بين الحق بكل مضامينه والباطل بكّل اتجاهاته .

فتحت نهضة الامام الحسين لأمم العالم وشعوب الأرض باباً جديداً اتسم بروح النهضة والتمرد على الظلم والطغيان ،ومقاومة الاضطهاد ومناهضة الفساد ،ويبقى خلود مدرسة عاشوراء عبر المراحل الزمنية المتعاقبة ،سر من اسرار تلك الصرخة المدوية الرافضة للظلم والجور ،ويربط البعض بين خلود النهضة الحسينية ورمزية بطلها،فالأمام الحسين عليه السلام رمز عميق الدلالة وشخصية مترامية الأبعاد ،وهو الأنموذج القرآني المتكامل التي لاتقتصر أنموذجيتهُ على البُعد الاستشهادي فحسب ،وإن كان بُعد الشهادة في شخصية الإمام عليه السلام هو الأقوى والأبرز الذي سلطت عليه الأضواء ،فقد توج الامام الحسين عليه السلام حياته السياسية بصنع حدث كبير هزَّ الضمائر الإنسانية واستنهض الوجدان البشري من الاعماق،ولم تكن ثورته عليه السلام صراعاً بين قوى الخير والشر ،بل هي في الواقع صراع بين القيم الإنسانية العليا وبين رواسب الجاهلية السفلى ،صراع بين رسالة الإسلام وعبادة الأصنام ،بين الإصلاح والفساد ،ولم تكن واقعة كربلاء موقعة عسكرية او معركة في رقعة جغرافية معينة انتهت بانتصار وانكسار ،بل كانت رمزاً لموقف أسمى لادخل له بالصراع بين القوة والضعف ،فهو صراع بين الحق والظلم وبين الفضيلة والرذيلة،بين الصدق والقيم السامية وبين الكذب والمكر والخداع السياسي ،بين المنظومة الأخلاقية والاجتماعية والانحلال والانحراف،بين السمو والوضاعة.
قضايا مصيرية
يعد الامام الحسين الثائر من ألمع القادة المصلحين الذين حقّقوا الاهداف العليا التي خرج من اجلها عليه السلام وقامت نهضته الأصلاحية ،وأن لم يحقق النصر الحاسم في ميدان المعركة وفق الحسابات والمعايير العسكرية في عالم الحروب وإدارة المعارك ،إلا أنه عليه انتصر معنويا على معسكر بني أمية انتصاراً نموذجياً لامثيل له عبر التأريخ ،انتصار المبادئ والقيم والدم ومظلومية الدم والإنسانية ،وبفضل قوة هذا الانتصار الذي حققه عليه السلام واصحابه الأبرار النحباء في يوم عاشوراء خُلدت النهضة الحسينية وازدادت مدرسة عاشوراء رسوخاً وصلابة وقوة في مواجهة الطغاة والظالمين عبر التأريخ ،بتضحيات الأمام الحسين عليه السلام ونهضته الثورية الإصلاحية الذين قادوا المسيرة الإنسانية نحو السمو والرفعة فقد اسهمت الثورة الحسينية ونهضة آبا الأحرار عليه السلام في بناء الفكر الإنساني وإعادة تكوين المنظومة القّيمية والأخلاقية للمجتمع ،وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الأرض ،ونهضته عليه السلام تختلف عما سواها من التحركات النهضوية والثورية التي يمارسها القادة سواء كانوا مصلحين او مفكرين لأن الأخيرة غالباً ما تكون محدودة الهدف والطابع والتأثير ،بمعنى ان القصد من قيامها جاء لتغيير واقع معين لفئة معينة ضمن مجتمع او امة معينة .
لكن مع النهضة الحسينية الأمر مختلف تماماً ،فالأمام لم يخرج ليحقق غاية سياسية او منفعة شخصية،او يخصص نهضته لفئة من الناس دون الأخرى او سعى لكسب بعض المنافع الانية .بل خصص سعيه لإنقاذ الإنسانية من براثن الإستبداد والتبعية وإرساء الأساس الالهي للعدل ،والمتتبع لواقعة الطف يلحظ عظمة الارتباط بين الامام الحسين والمبدأ الإنساني ،فقد كان عليه السلام عنوانا للاستقامة والفضيلة والذوبان في الله ،وكان سخيا في إراقة دمه الزاكي وجسد أعظم مصاديق السخاء والفداء والقربان من اجل الإنسانية جمعاء،وهو تحت ذلك الضغط النفسي الرهيب وأساليب الترهيب الذي مارسته جموع الأشرار المحيطة به.
لم تكن حادثة كربلاء وليدة يومها ولم تكن مجرد صدفة بل كانت نتاج طبيعي لانحراف في ثقافة الامة وعقيدتها وخذلانها لبيعة أمير المؤمنين عليه السلام يوم السقيفة واستلاب حق الخلافة الشرعية للمسلمين ،وعندما نفهم طبيعة هذا الانحراف فلا نعجب ان يترك الحسين جسداً مضرجاً بالدماء تذروه الرياح على بقاع الطف تاركاً وراءه ارث من المجد لاينثني وقناديل من الكرامة بأبهى صورها ،عرجت روحه عليه السلام مسافرة إلى حيث الخلود الأبدي وبقيت ملحمته خالدة في ذاكرة الإنسان وسُفر التاريخ .
ومن اسرار خلود النهضة الحسينية ومدرسة عاشوراء هو المجد الالهي الذي خطه الإمام الحسين عليه السلام بدمه ومبادئ ثورته الخالدة ،فنجد الإمام ورهطه النحباء رضوان الله عليهم ما شاب ثورتهم المباركة أية شائبة من حطام الدنيا اودوافع شخصية ومصالح دنيوية ،فكان تحركهم وما قدموه خالصاً للمبادئ التي آمنوا بها ،وأصبح رمزا للحرية والكرامة في كل زمان ومكان،فهي شخصية استثنائية بكل تفاصليها بل هي شخصية رسالية وقيادية امتداداً لشخصية النبي القائد محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله التي تجسدت في الحسين عليه السلام.
اما شعارات النهضة الحسينية فكانت واضحة وجلية صرح بها عليه السلام اكثر من مرة كما في قوله الخالد :(إني لم أخرج أشرا ولابطرا ولامفسدا وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم،اريد ان آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر لذا فقد وضعت حركة الإمام عليه السلام الأمة أمام امتحان عظيم ،فقد رحل الحسين جسداً لكنه بقيّ فكراً وروحاً وفلسفة ومنهجاً في التضحية والجهاد ومقارعة الباطل ،تاركاً إرثاً ومجداً خالد في سُفر التاريخ ووجدان الأحرار لم يتركه احد ،ترك مدرسة للبطولة والآباء وسفراً خالداً من الشجاعة والإقدام والفداء والإيثار ،وأغدق البشرية فكراً وعطاءً وغمرها نوراً وحياة ومصدر إلهام للأجيال والقادة المصلحين والمجاهدين في ساحات الوغى ومعارك الحق والحقيقة ،فأينعت به الضمائر الحية والنفوس الكريمة واخضرّت به القلوب المؤمنة التي ايقنت ان الشهادة طريق المجد والكرامة .

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى