عميد المنبر ؛ غادرتنا وماغادرناك

عميد المنبر ؛ غادرتنا وماغادرناك
✍كتب: قاسم الغراوي
في ذكرى رحيل عميد المنبر الحسيني الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (قدّس سرّه)
تمرّ الأعوام ويبقى وسيبقى اسم الدكتور الشيخ أحمد الوائلي (رحمه الله )حيًّا في ذاكرة الأمة، وفي ضمائر الأجيال التي عرفت المنبر الحسيني من خلاله نقيًّا، صافيًا، عقلانيًا، مشبعًا بروح القرآن ونهج آل محمد (ص).
لم يكن مجرد خطيباً ، بل كان مدرسة فقهبة توعوية ثقافية متكاملة جمعت بين البيان والفكر، بين الحوزة والجامعة، بين قدسية المنبر ووقار الأكاديمية، بين لغة السماء وهموم الأرض.
في ذكرى رحيله، لا نتحدث عن شخص عادي مرّ في الحياة مرور الكرام، ومن الصعب ان يجود الدهر بمثله ، بل نتحدث عن رجل حمل همّ الدين والعلم والأمة، وعانى الغربة وفرض عليه البعد عن وطنه العراق زمن استبداد البعث، لا لشيء سوى لأنه كان صوت العقل، وصوت الكلمة التي لا تركع، ولأن صوته كان يوقظ الضمائر في وقتٍ أرادوا للأصوات أن تخمد.
عاش سنواته الأخيرة بعيدًا عن دجلة والفرات، بعيدًا عن النجف الأشرف حيث القلب معلّق، وهو الذي طالما قال: «الغربة وطنٌ بلا روح». واما صدى صوته لم ينقطع عنٌا رغم المسافات ، كان يلامس عقولنا وقلوبنا واثر فينٌا ونحن الشباب التائه الذي يبحث عن وجوده في ظل التناقضات والثقافات والعقائد والايديلوجيات .
لم يكن الشيخ الوائلي طائفياً ولا متعصّبًا، بل كان يحلق في أفق الإسلام الواسع، يخاطب الجميع بلغة المحبة والحكمة.
كان السنّة قبل الشيعة يستمعون إليه، والعلمانيون قبل المتدينين يُعجبون بمنطقه، لأن منطقه كان مرتكزًا على الدليل، لا على الانفعال. وحتى في أشدّ مراحل البطش الصدامي، كان صوته يسرّب إلى الناس خلسة، بين طيات الليل أو في محافل خاصة، لأنه كان يُخاطب بعمق الإنسان في داخلك قبل المذهب.
في كل مجلس من مجالسه، كان يرسم للناس طريقًا نحو فقه الحياة، ونحو الكلمة المسؤولة، ونحو حب الحسين الذي لا يُستغل للدموع فقط، بل يُترجم إلى وعي وبصيرة وموقف. لم يكن يهوى الصراخ ولا كان يتغنى بالجراح لأجل إثارة العواطف، بل كان يستخرج من مأساة كربلاء دروسًا في الإصلاح الإنساني والسياسي والاجتماعي، فيجعل من المنبر محرابًا للعقل قبل أن يكون مدرجة للبكاء.
لقد تحمّل الغربة، وتحمل الأسى، وتحمل تجاهل وطنه له زمن الطغيان، لكنه بقي وفيًّا للحسين، وفيًّا للعراق، وفيًّا لكل إنسان حرّ في هذا الشرق المذبوح بين الجهل والاستبداد. وحتى بعد رحيله، لا تزال محاضراته تُسمع، وصوته يُتلى، وكلماته تُقتبس في المجالس، وكأنّه يقول: «كنتُ غريبًا حيًّا، فاجعلوني بينكم حيًّا ميتًا».
يا عميد المنبر يامن غادرتنا وما غادرناك، سيبقى حبك في القلوب، وسيبقى صوتك أمانة للأجيال المقبلة، وسيتذكرك العراق يوم يُشفى من جراحه بأنه ظلمك يومًا، لكنه سيعود ليبكيك في وضح النهار لا في الخفاء.
رحم الله الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، عميد المنبر، وصوت النجف الذي لن يخفت، وإن تغيّب الجسد.
https://t.me/+EbEz09-QJUJlYjky


