كتابنا

التفاوض مع أمريكا

التفاوض مع أمريكا

 

كتب:كريم حداد

الولايات المتحدة لا تتعاطى مع المفاوضات بوصفها جسراً نحو حلول متوازنة، بل باعتبارها وسيلة لإدارة الصراع وتمديده بما يخدم مصالحها الإستراتيجية.

التفاوض هنا ليس عملية حيادية، بل سلاح سياسي. أميركا تتحكم بإيقاع المباحثات: تطلقها حين يناسبها، تجمّدها حين تستفيد من التجميد، وتستأنفها عندما ترى مصلحة في كسب الوقت أو امتصاص الضغوط. في جميع الحالات، الطرف الأضعف يبقى معلقاً بانتظار «الغد» الذي لا يأتي أبداً…

معنى التفاوض مع الولايات المتحدة: ليس طريق إلى تسوية عادلة، بل مجرد مسرحية طويلة مملّة، هدفها الحقيقي أن يستسلم الطرف الأضعف طوعاً بعدما ينهكه الزمن والضربات المتواصلة…

جوهر المسألة أن الولايات المتحدة حوّلت الزمن إلى أداة قوة. الزمن المستقطع في التفاوض ليس محايداً:
• بالنسبة إليها، كل يوم إضافي يعني مزيداً من ترسيخ ميزان القوى القائم.
• بالنسبة إلى خصومها، كل يوم إضافي يعني نزيفاً اقتصادياً وسياسياً وشعبياً.
إنها لعبة «الوقت»، إذ يصبح التأجيل نفسه سلاحاً. فالخصم يُستنزف من الداخل بقدر ما يستهلك الزمن في انتظار نتائج لا تأتي، بينما الطرف الأميركي يضاعف قدراته ويثبت أقدامه…

هكذا يصبح التفاوض غطاءً لتصعيد الضغوط لا لتخفيفها. الطاولة السياسية ليست سوى ستار يخفي وراءه استمرار الهجوم بوسائل أخرى. إنه تكتيك «المصافحة باليد اليمنى بينما اليد اليسرى توجه الضربات».
التفاوض الأميركي يخلق وهماً بمستقبل مختلف، لكنه في الحقيقة يفرغ المستقبل من محتواه عبر تأجيله الدائم.

من يدخل هذه اللعبة عليه أن يعرف القاعدة: أميركا لا تتوقف أثناء التفاوض عن تسديد الضربات، ولا تسعى إلى عدالة، بل إلى إخضاع كامل. ثم فإن الخيار الحقيقي ليس بين التفاوض أو الحرب، بل بين الاستسلام السريع أو الاستسلام المؤجل عبر جولات لا تنتهي.

هكذا ينكشف التفاوض كغاية قائمة بذاتها، لا أداة للحل: غاية تُستخدم لإعادة إنتاج ميزان القوى، ولإبقاء الطرف الأضعف أسيراً لوهم الغد الذي يتحول دوماً إلى أمس جديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى