حملة ممنهجة.. العراق بين رهانات الداخل وضغوط الإقليم
✍ كتب :راهي الحاتم
لم يعد المشهد العراقي بمنأى عن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، فكل تقدم تحرزه الدولة في مسار الاستقرار والبناء يوازيه اندفاع لحملات مضادة، تتخذ من الإعلام والدعاية السوداء أدوات رئيسة لها. هذه الحملات ليست مجرد مبادرات فردية، بل هي جزء من صراع أوسع على موقع العراق في الخريطة الاستراتيجية للمنطقة.
من يتابع خطاب التشكيك والشائعات يلحظ أنه يدار وفق سردية متكررة: الانتخابات لن تُجرى، النظام على وشك الانهيار، البلاد مقبلة على فراغ دستوري. هذه السرديات ليست وليدة الداخل فقط، بل تتغذى من أجندات إقليمية ودولية تتقاطع عند نقطة أساسية: إضعاف العراق ومنعه من لعب دور متوازن في بيئة جيوسياسية مشحونة.
فالإرهابيون الذين يبحثون عن موطئ قدم، والإعلاميون المموَّلون من عواصم إقليمية، والسياسيون الفاسدون الذين يحاولون النجاة من المحاسبة؛ جميعهم يتحركون ضمن مناخ إقليمي لا يريد للعراق أن يتحول إلى نموذج مستقر، قادر على التوازن بين جيرانه وشركائه الدوليين. إذ إن عراقًا قويًا يعني إعادة رسم موازين القوى في ملفات الطاقة والاقتصاد والأمن، وهو ما لا يتماشى مع مصالح قوى تسعى لتكريس هيمنتها.
إلا أن التجربة العراقية، على تعقيدها، أظهرت قدرة لافتة على الصمود. فبلد أنهكته الحروب والإرهاب ما زال يتمسك بالمسار الدستوري، ويواصل تعزيز مؤسساته، بينما تحولت إرادة شعبه إلى عامل ردع ضد سيناريوهات الانقلاب والفوضى.
إن التحدي الحقيقي اليوم ليس في مواجهة الحملات الدعائية بقدر ما هو في تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي، وبناء علاقات متوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية. فالعراق، بما يمتلكه من موقع جغرافي وثقل اقتصادي وعمق حضاري، يظل محورًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص مستقبل المنطقة.
من هنا تبدو محاولات التشكيك أشبه بضغط تكتيكي قصير الأمد، بينما يظل الرهان الأكبر على أن العراق يسير نحو ترسيخ مكانته كدولة مستقلة القرار، وفاعل استراتيجي لا ساحة لتصفية الحسابات.