حكام عرب متخاذلين وجيوش للاستعراض

حكام عرب متخاذلين وجيوش للاستعراض
✍ كتب : راهي الحاتم
منذ سنوات تتكرر الدعوات لإنشاء “ناتو عربي” أو “تحالف إسلامي عسكري” على غرار حلف شمال الأطلسي. تُطلق التصريحات، وتعقد الاجتماعات، وتُلتقط الصور التذكارية، ثم ينتهي كل شيء إلى لا شيء. مشاريع تُصنع في الإعلام وتموت في غرف السياسة، وكأنها لم تكن أكثر من فقاعات اختبار.
التجارب كثيرة. “التحالف الإسلامي العسكري” الذي أُعلن عنه عام 2015 بدا في حينه خطوة تاريخية؛ أكثر من أربعين دولة أعلنت انضمامها. لكن سرعان ما انكشف أنه مجرد هيكل بلا روح. لم يخض حربًا، لم يشكّل قوة ردع، ولم يتجاوز الاستعراضات الإعلامية. قبله كان “مجلس الدفاع العربي المشترك” الذي بقي مجرد حبر على ورق. أما “الناتو الشرق أوسطي” الذي طرح عام 2017 فسقط قبل أن يولد تحت ضغط الحسابات الإقليمية والتدخلات الدولية. وحتى “التحالف العربي” في حرب اليمن أثبت أن كثرة الجيوش لا تعني بالضرورة فعالية عسكرية، إذ طالت الحرب وكشفت هشاشة التنسيق.
المشكلة أعمق من الانقسام السياسي. الجيوش العربية نفسها لا تملك استقلالية قرارها العسكري. معظمها يعتمد كليًا على السلاح الأميركي والغربي، وهي أسلحة ليست سيادية بالكامل. واشنطن تحتفظ بالشيفرات وأنظمة التحكم، ما يجعل قرار استخدامها مرهونًا برضا المورد. وحدها إسرائيل تمتلك السيطرة الكاملة على ترسانتها، بينما العرب يكتفون بدور المستهلكين الذين يستعرضون القوة في العروض العسكرية، دون قدرة حقيقية على توظيفها متى أرادوا.
الواقع أُبرز بوضوح في مؤتمر القمة الأخير في الدوحة. كان من المفترض أن يخرج البيان الختامي موقفًا موحدًا تجاه التهديدات الإقليمية، ويُعزز التضامن العربي والإسلامي. لكن ما حدث كان صادمًا: البيان خرج في حالة من الانكسار والخذلان، وكأنه يعكس التنازلات والخلافات الداخلية أكثر من وحدة الموقف. الأخفاق في صياغة البيان، وسقوطه تحت ضغوط الدول الكبرى، لم يكن مجرد إخفاق سياسي، بل كشف آلية الخيانات، وكيف تُهدر إرادة الشعوب العربية والإسلامية.
ما نتج عن ذلك؟ إسرائيل شعرت بالقوة، وازدادت شوكتها. تصريحاتها الأخيرة، حيث تهدد من يشاء وتستهزئ بالعرب والمسلمين، تؤكد أن عدم وجود موقف عربي موحد قد منحها الحق في تجاهل القوانين الدولية، بل إنها صرحت صراحة أنها هي من تحدد قواعد اللعبة بما يخدم مصالحها فقط. هذا الانكسار في القمم والبيانات يُظهر أن أي تحرك عربي جماعي يظل رهينة الانقسامات والخضوع الخارجي، بينما العدو يزداد قوة وثقة.
هنا يبرز سؤال لا يقل خطورة: من هو العدو الحقيقي بالنسبة للشعوب؟ في الخليج، رُوّج طويلًا لإيران كخطر وجودي. لكن المزاج الشعبي أكثر تعقيدًا. صحيح أن هناك قلقًا من النفوذ الإيراني، لكن شرائح واسعة ما زالت ترى إسرائيل العدو الأول، خاصة مع استمرار الاحتلال الفلسطيني وسياسات القتل والتهجير. غير أن الأنظمة تحاول تحويل البوصلة عبر التطبيع الرسمي، بينما تُضخّم تهديد إيران إعلاميًا، فتصبح صورة العدو من صناعة السياسة لا الوعي الشعبي.
لهذا كله، يظل “الناتو العربي” مشروعًا ميتًا قبل أن يولد. تحالفات ورقية تُصاغ لأغراض سياسية آنية، ثم تُجهض بمكالمة هاتفية من عاصمة كبرى إلى رئيس عربي من أصحاب القرار. وفي النهاية، تبقى الجيوش العربية مجرد جيوش للاستعراض، تفتقد الاستقلالية والفاعلية، فيما يظل العدو الحقيقي خاضعًا لإعادة تعريف مفروضة من الخارج، وشوكتها تزداد يومًا بعد يوم بينما العرب والمسلمون يراقبون عاجزين.



