نجح السفير الإيراني في إطلالته… وشرح ما غاب عن اللبنانيين

*بقلم: ناجي علي أمهز*
لم تكن إطلالة السفير الإيراني بالأمس حدثاً دبلوماسياً عادياً. فالرجل، بهدوئه ووضوح عباراته، حاول أن يشرح ما استعصى طويلاً على اللبنانيين فهمه: علاقة إيران بلبنان، وحدود هذه العلاقة بين الدعم والموقف، بين ما هو سياسي وما هو إنساني.
صباح اليوم، هاتفني صديق ماروني، وقال لي: “جميل جداً كلام السفير الإيراني، وخصوصاً حين تحدث عن أن غالبية ما يصل إلى الشعب اللبناني من دعم هو من الشعب الإيراني نفسه، لا من مؤسسات سياسية.
هذا التوضيح كفيل بشرح الكثير من الالتباسات التي نتسال عنها منذ سنوات. ثم إن حديثه عن علاقة إيران بحزب الله جاء منطقياً، يقبله العقل، وبالفعل هذه لغة دولة كبيرة قوية ولو قيل بهذا الوضوح منذ زمن، لفتح الابواب على نقاشات كثيرة”.
توقف صديقي عند مقالي السابق، “رواية إيرانية رفيعة تقلب المشهد الإقليمي: لا حرب على إيران”، وقال متسائلاً: “كأن السفير يكرر ما نقلته أنت عن تلك الشخصية الإيرانية الرفيعة. فلماذا لم تنقل وسائل إعلام المحور ذلك الكلام يومها؟ هل الإعلام ينقل ما يراه هو مناسباً فقط، أم أنه من واجبه أن ينقل الحقيقة كما هي وخاصة عندما تقال على لسان شخصية رسمية؟”.
واكمل: لو لم اسمع كلام السفير الايراني بالامس، لقلت رغم مصداقيتك، انك انت الذي الفت المقال واخترعت الشخصية الايرانية الرفيعة من اجل ترطيب الاجواء، لان الكلام الذي كتبته قيل عن لسان هو راس محور المقاومة ومن حقنا الاستغراب لماذا لم يظهر اي شيء على اعلام محور المقاومة من مقالك.
ثم أضاف بنبرة الناقد المتأمل: “من يتابع خطاب السفير يدرك أنه لا حرب قريبة على إيران. لكن الإعلام المقرّب من طهران يوحي بعكس ذلك، وكأن المعارك تدور في شوارع طهران. هل هذا الانفصال بين الإعلام والواقع متعمّد؟ أم أن هناك من يريد أن تبقى إيران تحت هاجس الحرب لتستمر الأموال بالتدفق، ولتبقى الشعوب مشدودة إلى الخوف بدل الأمل؟”.
وذهب أبعد من ذلك حين قال: “لماذا لا تطالب إيران هؤلاء بعدم التحدث باسمها في السياسة الإقليمية؟ فالإفراط في خطاب الحرب لا يضعف إيران فقط، بل يرهق حلفاءها أيضاً. فكيف يتحالف أحد مع قوة يُصوَّر أنها على عداء دائم مع العالم؟ إن القوة الحقيقية ليست في الصراع، بل في القدرة على تجنّب الصراع”.
ثم إن ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه حين كشف أن إسرائيل أبلغت موسكو بأنها لا ترغب في مواجهة مع إيران، مشدداً على أن حل الملف النووي يجب أن يبقى في دائرة الدبلوماسية. من هم هؤلاء الإعلاميون والمحللون السياسيون، من هم؟
هكذا، تتقاطع الرسائل: من طهران إلى موسكو إلى بيروت. لكن الرسالة الأهم تبقى: أن العقل يجب أن يستعيد مكانه في هذا الشرق الذي أرهقته الشعارات والبهورات والعنتريات.
في النهاية، هناك فئة من الناس، سماها الإمام علي عليه السلام بـ”العلماء والربانيين والمتعلمين على سبيل نجاة”، وهم وحدهم الذين يصنعون الغد. أما الباقون فهم “الهمج الرعاع، أتباع كل ناعق”، الذين يبدّدون أوطانهم كما يبدّد الغبار وجه الشمس.
وهنا يحضر قول أدونيس، حين وصف القارئ العربي بأنه لا يقرأ ليعرفك، بل ليعرف إن كنت معه أم ضده. قارئ لا يبحث عن الحقيقة، بل عن مرآة تعكس قناعاته. قارئ يخاف السؤال لأنه يعتبر المعتقد جواباً نهائياً.
في زمن كهذا، يصبح صوت السفير الذي يتكلم بالعقل نادراً، وصوت المثقف الذي ينقل عنه بأمانة أكثر ندرة، فالاعلام لا يهتم الا بتعداد المشاهدين.
ولعلّ لبنان، في لحظة ضياعه، يحتاج إلى هذه اللغة الثالثة: لغة العقل التي لا تتعصّب، ولا تجامل، بل تبني جسراً بين الشرق والشرق، قبل أن يهدم الجهل ما تبقى من أحلامنا.
متى نستيقظ من إعلام ومغردين ومحللين يظهروننا كأننا منفصلين عن الواقع، متى؟



