القفص الأنيق

كتب رياض الفرطوسي
حين نقول إن المدرسة والوظيفة من أسوأ اختراعات البشرية فنحن لا نشتم التعلّم ولا نحتقر العمل. نحن فقط نزيح الستار عن خلطٍ مزمن: خلط المدرسة بالتعليم، والوظيفة بالعمل. التعليم أقدم من الجدران، والعمل أقدم من الرواتب. لكننا اعتدنا أن نرى القالب وننسى الجوهر، فنُدافع عن الشكل كأنه الحقيقة نفسها.
المدرسة الحديثة لم تُخلق لتكون حديقة مواهب، بل لتكون آلة ضبط. وُلدت في القرن التاسع عشر حين احتاجت الدولة إلى مواطن منضبط، واحتاجت الصناعة إلى عامل يعرف القراءة والحساب ويحترم الجرس. فجاءت الصفوف مصطفّة كخط إنتاج، والطلاب متشابهين كعلب محفوظة، والاختبار هو الختم الرسمي الذي يقول: صالح للاستعمال.
نجحت المدرسة في تعميم التعليم، وهذه حسنة عظيمة. لكنها دفعت ثمناً خفياً: جعلت الذكاء يبدو نوعاً واحداً تقريباً. من يُجيد اللغة والأرقام هو “المتفوق”، ومن لا يجيدهما يوضع في خانة الشك. ثم نتفاجأ لاحقاً بأن الأول قد يعجز عن إدارة حياته، بينما الثاني يشق طريقه بذكاء اجتماعي أو عاطفي لم تعترف به دفاتر العلامات. هوارد غاردنر لم يخترع الذكاءات المتعددة من فراغ؛ هو فقط قال بصوت عالٍ ما نراه كل يوم: الإنسان أوسع من ورقة امتحان.
كم من طالبٍ حصد الدرجات كلها ثم وقف حائراً أمام أبسط قرارات الحياة؟ وكم من شابٍ قيل له “فاشل” لأنه لم يفهم معادلة، ثم نجح لأنه يفهم الناس؟ الحياة لا تُدار بالنحو وحده، ولا تُكسب بالكسور العشرية. أقل ما نحتاجه في يومياتنا هو التفوق اللغوي والمنطقي وحدهما، وأكثر ما نحتاجه هو إدارة الذات، وفهم الآخرين، وضبط الرغبات، واتخاذ القرار تحت ضغط.
أما الوظيفة، فهي قصة أخرى من سوء الفهم. العمل حاجة إنسانية، أما الوظيفة فهي صيغة تاريخية محددة: وقت مقابل أجر، ضمن هيكل هرمي، وتحت سقف مرسوم مسبقاً. ليست كل أشكال العمل وظيفة، لكننا تصرفنا كأنها الشكل الوحيد المشروع. فإذا خرج أحدهم عن هذا المسار قيل له: متى “تستقر”؟ كأن الاستقرار مرادف للبطاقة الوظيفية. والحقيقة أن كثيرين استقروا طويلًا حتى صدئت أرواحهم.
المدرسة خرّجت موظفين جيدين أكثر مما خرّجت أفراداً أحراراً. والوظيفة منحت أماناً معقولًا، لكنها كثيراً ما حدّت من الجرأة. ومع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، بدأ هذا النموذج يهتز. العالم صار أسرع من الجرس المدرسي، وأوسع من المكتب المغلق.
ومع ذلك، ليس من العدل أن نهدم كل شيء بعبارة صادمة. في المدرسة شيء نبيل يبقى بعد أن ننسى كل شيء: ثقافة عامة تمنحنا إطاراً لفهم العالم، وأدوات للتعبير، وطريقة في التفكير المنطقي. هذه أثمن هداياها. لكن السؤال المؤلم: هل تكفي وحدها اليوم؟ القرن الحادي والعشرون لا يطلب حافظاً جيداً، بل إنساناً مرناً. لا يطلب منضبطاً فقط، بل مبادراً. لا يطلب ذاكرة قوية، بل قدرة على التعلم المستمر.
في بعض الدول، تتغير المناهج كلما تغيّر العلم، ويُسمح للطفل أن يختلف دون أن يُتهم، وأن يجرب دون أن يُسخر منه. هناك تُبنى الفردية الخلّاقة لا النسخة المكررة. أما حين تكون المدرسة بلا روح، والمعلم بلا تدريب، والمحيط مليئاً بالعنف، فإننا لا نصنع معرفة بل نصنع هشاشة.
المشكلة إذن ليست في التعلّم ولا في العمل، بل في القفص الأنيق الذي وضعناهما فيه. قفص يبدو محترماً ومنظماً وشرعياً، لكنه يضيق أحياناً على اتساع الإنسان. وإذا كان التاريخ قد صنع هذه النماذج لظروفه، فليس من الحكمة أن نعاملها كأنها قدر أبدي.
لسنا بحاجة إلى هدم المدرسة، بل إلى تحريرها. ولسنا بحاجة إلى إلغاء الوظيفة، بل إلى كسر احتكارها لفكرة العمل. الإنسان أكبر من مقعد، وأوسع من مكتب. والحياة، كما نعرف، لا تمشي على جرس.



