كتابنا

الشعب الإيراني… حين تصوغ الحضارة إنسانها.

 

بقلم :أمين السكافي -صيدا – جنوب لبنان

ليس من السهل أن تختصر حكاية شعبٍ كالشعب الإيراني في كلمات، فذلك الإنسان الممتد جذره في عمق التاريخ، كجذور شجرةٍ عتيقة تضرب في تربة الزمن منذ أيام الإمبراطورية الأخمينية، لا يُقرأ بسطورٍ عابرة، بل يُفهم كتراكمٍ حضاري طويل، صاغ العقل والروح معًا.

 

الإيراني، أو الفارسي إن شئنا الدقة التاريخية، هو ابنُ حضارةٍ تعلّمت الصبر قبل القوة، والتأمل قبل الفعل. في تفاصيل حياته اليومية، يظهر هذا المعنى جليًا؛ فكما يجلس نسّاج السجاد ساعاتٍ طويلة، وربما سنوات، ليحيك سجادةً واحدة بخيوطٍ دقيقة وألوانٍ محسوبة، كذلك هو في تفكيره: لا يستعجل النتائج، بل يؤمن أن القيمة تولد من التراكم، وأن الجمال لا يُخلق دفعةً واحدة، بل يُبنى عقدةً بعد عقدة.

 

هذا الصبر ليس ضعفًا، بل فلسفة. عقلٌ بارد، لا بمعنى الجمود، بل بمعنى الاتزان. يراقب، يحلل، ينتظر اللحظة المناسبة، ثم يتحرك بثقة. في السياسة كما في الحياة، لا ينجرّ بسهولة وراء العواطف، بل يُخضعها لمنطقٍ أعمق، يرى الصورة الكاملة لا تفاصيلها فقط. وربما لهذا السبب، استطاع هذا الشعب أن يبقى، رغم تعاقب الإمبراطوريات، والغزوات، والانكسارات، حاضرًا في قلب التاريخ لا على هامشه.

 

وعندما نصل إلى العصر الحديث، نجد أن هذا التراكم الحضاري لم ينقطع، بل تحوّل إلى فعلٍ تاريخي مع الثورة الإسلامية في إيران 1979، التي قادها روح الله الخميني. هنا، لم يكن الحدث مجرد تغيير نظام، بل كان انقلابًا في الوعي: من دولةٍ تُدار بمنطق التبعية في عهد محمد رضا بهلوي، إلى دولةٍ قررت أن تصوغ قدرها بيدها، مهما كان الثمن.

 

الإيراني في هذه اللحظة لم يكن مجرد تابعٍ لتاريخٍ مضى، بل صانعًا لتاريخٍ جديد. لقد واجه، بعقليته الصبورة، تحدياتٍ كبرى، من حصارٍ وضغوطٍ إلى تهديداتٍ عسكرية من قوى عظمى، كان يُفترض أنها لا تُقهر. لكنه لم ينكسر، لأنه لم يقاتل بعاطفةٍ عابرة، بل برؤيةٍ متجذرة في مفهوم الكرامة.

 

إن ما يميز هذا الشعب، ليس فقط قدرته على التحدي، بل إيمانه العميق بأن الكرامة ليست شعارًا، بل سلوكًا يوميًا. هو مستعد لأن يصبر سنواتٍ طويلة، كما يصبر النسّاج على سجادةٍ واحدة، إذا كان الهدف هو حفظ الكرامة والدفاع عن المستضعفين. وهذه الفكرة تحديدًا، جعلت إيران لا تعيش على هامش الأحداث، بل في قلبها، بل أحيانًا في موقع من يصنعها.

 

لكن الأهم من كل ذلك، أن الإيراني لم يفقد إنسانيته وسط صراعاته. لا يزال يحمل في داخله شاعرية الشرق، وتأمل الفلاسفة، وهدوء الحكماء. يجمع بين الصلابة والنعومة، بين الحزم والتأمل، بين الثورة والصبر.

 

هكذا هو الشعب الإيراني: ليس مجرد شعبٍ عاش التاريخ، بل شعبٌ فهمه، ثم قرر أن يعيد كتابته على طريقته

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى