أمريكا وإسرائيل… حين يُدار الشرق الأوسط بعقلية النار

أمريكا وإسرائيل… حين يُدار الشرق الأوسط بعقلية النار
كتب✍️ :راهي الحاتم
لم تعد الحقيقة تحتاج إلى تزييف أو تجميل: ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم هو نتيجة مباشرة لسياسات أمريكية إسرائيلية قررت أن تحكم المنطقة بالقوة، لا بالتوازن، وبالنار، لا بالعقل.
الولايات المتحدة، التي طالما تغنّت بشعارات “الاستقرار” و“حماية الأمن الدولي”، لم تكن يومًا سوى مديرٍ للفوضى. كانت تمسك بخيوط التوازن حين يخدمها، وتقطعها حين ترى أن الوقت قد حان لإعادة رسم المشهد بما يتوافق مع مصالحها. أما إسرائيل، بقيادة بنيامين نتنياهو، فلم تتوقف يومًا عن الدفع نحو الانفجار، لأنها تدرك أن بقاءها متفوقة مرهون بإبقاء الآخرين غارقين في الصراع.
سنوات طويلة من الضغط والابتزاز السياسي مارسها نتنياهو على الإدارات الأمريكية، محاولًا جرّها إلى مواجهة شاملة مع إيران. لم يكن ذلك دفاعًا عن “الأمن”، بل سعيًا لإلغاء أي قوة إقليمية يمكن أن تفرض معادلة ردع حقيقية. الإدارات السابقة ترددت، ليس أخلاقًا، بل خوفًا من كلفة المواجهة.
لكن مع وصول دونالد ترامب، سقط آخر قيد من قيود التعقل. لم يعد هناك توازن يُحترم، ولا خطوط حمراء تُراعى. تحولت السياسة الأمريكية إلى أداة تنفيذ لرغبات إسرائيلية، تُترجم بقرارات متسرعة وتصعيدات خطيرة، دفعت المنطقة كلها نحو حافة الانفجار.
ما جرى لم يكن خطأً… بل خيارًا. خيارًا بكسر ميزان القوى، وفتح أبواب الجحيم على منطقة تعيش أصلًا فوق برميل بارود. والنتيجة؟ دمار يتسع، صراعات تتشعب، وشعوب تُدفع ثمنًا لحسابات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
ولم تكتفِ واشنطن بذلك، بل سعت إلى إعادة تشكيل حتى حلفائها، وفق مقاسها السياسي الجديد. فالتشدد الذي كانت تغض الطرف عنه بالأمس، أصبح اليوم عبئًا يجب التخلص منه. ومن هنا، جاء التحول الذي يقوده محمد بن سلمان، ضمن سياق إقليمي تُعاد صياغته تحت الضغط، لا وفق إرادة مستقلة بالكامل.
لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها: لا أمريكا قادرة على فرض استقرار بالقوة، ولا إسرائيل قادرة على ضمان أمنها عبر إشعال المنطقة. فالنار التي تُشعلها اليوم، لن تبقى محصورة في حدود خصومها، بل ستمتد لتأكل كل شيء.
إن الشرق الأوسط لا يُدار اليوم بسياسة، بل بمقامرة خطيرة. مقامرة تقودها واشنطن وتدفع بها إسرائيل، عنوانها الهيمنة، ونتيجتها الفوضى. وكلما ظنّوا أنهم اقتربوا من الحسم… اقتربوا أكثر من الانفجار الأكبر.



