سياسة

راهنوا على سقوط إيران… ماذا بقي من أحلام الحرب؟

راهنوا على سقوط إيران… ماذا بقي من أحلام الحرب؟

كتب ✍️ :راهي الحاتم
حين اصطفّ دونالد ترامب مع بنيامين نتنياهو، ومن خلفهما بعض العواصم الخليجية، كان المشهد يوحي بأن المنطقة تقف على أعتاب لحظة تاريخية يُراد لها أن تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. ارتفعت الأصوات، وتضخمت التوقعات، وامتلأت المنابر السياسية والإعلامية بحديث متكرر عن “الضربة القاصمة” التي ستُنهي إيران، وتسقط نظامها، وتطوي صفحة مشروعها الإقليمي إلى الأبد.
لكن الحروب، كما علمنا التاريخ، لا تُحسم بالشعارات، ولا تُقاس بنتائج الأيام الأولى، ولا تُكتب نهاياتها في غرف التحليل الإعلامي. فبعد كل ما جرى، وبعد كل ما أُنفق من مال وسلاح وضغط سياسي وحصار اقتصادي، تبدو الصورة مختلفة تمامًا عمّا رُسم في مخيلة خصوم طهران.


صحيح أن الحرب أخذت من إيران رجالًا وقادة، وسقط شهداء حملوا عقودًا من الخبرة والتجربة، لكن ما لم يدركه خصومها أن هذه المدرسة لم تكن يومًا مرتبطة بأشخاص، بل بمنهج وعقيدة ومؤسسة قادرة على إنتاج جيل جديد في كل محطة. رحل قادة… لكن خلفهم وقف آخرون، أصغر عمرًا، أكثر اندفاعًا، يحملون ذات الراية، وذات العقيدة، وذات الإيمان بأن المعركة لم تنتهِ.
أما الضربات التي استهدفت القواعد والمنشآت والمعامل والبنى التحتية، والتي صُوّرت على أنها بداية الانهيار الكبير، فقد تحولت إلى اختبار لقدرة الدولة على امتصاص الصدمة وإعادة البناء. وفي الوقت الذي كان البعض ينتظر فيه مشاهد الفوضى والانهيار الداخلي، كانت المؤسسات العسكرية والاقتصادية تعمل على إعادة التموضع، واستعادة المبادرة، وفتح مسارات جديدة تتجاوز الحصار والقيود.
وفي الميدان العسكري، لم تظهر مؤشرات الانكسار التي راهن عليها خصوم إيران، بل على العكس، بدا واضحًا أن الجيش والحرس الثوري وقوات التعبئة الشعبية ما زالت تحتفظ بجاهزيتها، وأن مشاريع التطوير والتسليح لم تتوقف، وأن لغة الردع لا تزال حاضرة في كل حسابات المنطقة.


اقتصاديًا، كان الرهان الأكبر على خنق إيران عبر النفط والتجارة والموانئ والمصارف. لكن التجربة أثبتت أن الدول التي تُجبر على البحث عن البدائل، غالبًا ما تجد طرقًا جديدة للبقاء. وبين طرق تصدير بديلة وأسواق جديدة وشبكات التفاف على العقوبات، بقي الاقتصاد الإيراني واقفًا، وربما أكثر قدرة على التكيّف مما توقع خصومه. كما بقي مضيق هرمز حاضرًا كورقة استراتيجية لا يمكن تجاهلها في أي معادلة إقليمية أو دولية.
أما داخليًا، فإن الرهان على انفجار الشارع الإيراني وسقوط الجبهة الداخلية بدا أبعد ما يكون عن الواقع. ففي لحظات الخطر الوجودي، كثيرًا ما تتراجع الخلافات الداخلية لصالح فكرة الدولة والسيادة، وهو ما جعل قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني أكثر التفافًا حول قيادته وأكثر تمسكًا بخيار المواجهة وعدم تقديم التنازلات.
وإذا كانت الجغرافيا تقول إن لبنان بعيد عن إيران، فإن السياسة تقول غير ذلك. فبقاء الملفات الإقليمية المرتبطة بطهران حاضرة على طاولات التفاوض يؤكد أن النفوذ لا يُقاس بالمسافة، بل بقدرة الدولة على صناعة التأثير وفرض أوراق القوة.
بعد كل ذلك، يبقى السؤال مطروحًا أمام من بشّروا بإسقاط النظام، وأمام من احتفلوا مبكرًا، وأمام من أنفقوا المليارات على الحصار والحرب والتحريض:
ماذا حققتم؟
هل سقط النظام؟
هل انكسرت إرادة الدولة؟
هل انتهى المشروع الذي أعلنتم موته عشرات المرات؟
أم أن الحقيقة التي تتكرر في كل مرة هي أن بعض الدول، حين تُوضع تحت النار… لا تحترق، بل تتحول إلى فولاذ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى