سياسة

واشنطن تتحول إلى ظلّ لإرادة تل أبيب

واشنطن تتحول إلى ظلّ لإرادة تل أبيب

كتب ✍️ :راهي الحاتم
لم يعد المشهد مجرد ضباب عابر، بل غطاء كثيف يستخدم لإخفاء حقيقة أكثر قسوة: ما يجري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل ليس صراعا تقليديا، بل لعبة شدّ أعصاب تدار من خلف الستار، حيث تكتب القرارات في مكان، وتعلن في مكان آخر.
التصعيد لم ينته، ومن يروج لفكرة التهدئة إما واهم أو متواطئ. فكل ما نشهده هو إعادة توزيع للأدوار، ورسائل مشفرة تمرر عبر وسطاء، بعضهم يتحرك بحسن نية، وآخرون يؤدون دور “ساعي البريد” لمشاريع أكبر منهم. أما الإعلام، فقد تحول إلى أداة تضليل، يضخ روايات متناقضة تبقي الرأي العام في حالة ارتباك دائم، وكأن الحقيقة باتت خطرا يجب إخفاؤه لا كشفه.
لكن الحقيقة الأكثر إيلامًا تكمن في مكان آخر: في واشنطن نفسها. هناك، لم يعد القرار يُصنع كما يُفترض في عاصمة قوة عظمى، بل يبدو وكأنه يُسحب تدريجيًا من يد صانع القرار الأمريكي ليُعاد تشكيله تحت ضغط نفوذ لا يخفي انحيازه. إسرائيل لم تعد تكتفي بالتأثير، بل تتصرف كطرف يملك حق الدفع والفرملة في آن واحد، توجه البوصلة حيث تشاء، وتضغط حين تريد، دون اكتراث حقيقي بكلفة ذلك على الولايات المتحدة نفسها.
المفارقة أن الداخل الأمريكي بدأ يستفيق. لم يعد المواطن الأمريكي غافلًا كما كان، بل بات يرى بوضوح أن بلاده تُستدرج إلى صراعات لا تخدمه، وأن هناك من يزجّ بها في مواجهات مفتوحة لإعادة رسم خرائط تخدم أطرافًا أخرى. هذا الوعي المتنامي يضع السياسي الأمريكي في زاوية ضيقة: إما أن يستعيد استقلال قراره، أو يستمر كواجهة لسياسات تُفرض عليه من خارج إرادته.
في المقابل، تحاول الإدارة الأمريكية الخروج من هذا المأزق بوجهٍ أقل خسارة، لكنها عالقة في تناقض فاضح: تريد التهدئة، لكنها لا تملك الجرأة الكافية لفرضها؛ تتحدث عن الانسحاب، لكنها تُبقي يدها على زناد التصعيد. هذا التردد ليس قوة، بل علامة ارتباك، ونتيجة مباشرة لضغوط تتجاوز الحسابات الاستراتيجية إلى حسابات النفوذ والهيمنة.
أما إسرائيل، فهي تدرك هذه الثغرة جيدًا، وتعمل على توسيعها. تدفع نحو التصعيد، تلوّح بالخطر، وتخلق الذرائع، ليس لأنها تبحث عن أمن، بل لأنها تدرك أن بقاء التوتر هو الضامن الأكبر لاستمرار نفوذها وتأثيرها.
في النهاية، لسنا أمام مشهد غامض، بل أمام واقع صريح لمن يريد أن يرى: قرار أمريكي مأزوم، ونفوذ إسرائيلي متغلغل، وصراع إقليمي يُدار على حافة الانفجار. والسؤال لم يعد: هل ستقع المواجهة؟ بل: من يملك فعليًا قرار منعها… ومن يدفع نحو إشعالها؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى