الاتفاقية الإبراهيمية وثمن الشرق الأوسط الجديد
كتب✍️ :راهي الحاتم
لم تعد التحركات الأمريكية في المنطقة تُقرأ بوصفها مجرد جهود دبلوماسية عابرة، بل باتت تكشف عن مشروع متكامل لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وفي قلب هذا المشروع تعود “الاتفاقية الإبراهيمية” إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة وسط ضغوط أكبر وصفقات أعقد ومحاولة أمريكية لفرض واقع إقليمي جديد تكون فيه إسرائيل مركز الثقل السياسي والأمني في المنطقة.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بحسب ما يتداول في الأوساط السياسية والإعلامية، يجري اتصالات مع عدد من الزعماء العرب للدفع نحو التوقيع والانضمام إلى الاتفاقية الإبراهيمية مع إسرائيل، بالتزامن مع أي تفاهم أو اتفاق قد يُعقد مع إيران. وهذا الربط بحد ذاته يكشف حجم المشروع الذي تعمل عليه واشنطن؛ إذ لم تعد القضية مجرد تطبيع سياسي، بل محاولة شاملة لتغيير شكل المنطقة وإعادة هندسة التحالفات فيها بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ولم تكن تصريحات الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة خافية حين تحدثت بشكل واضح عن “تغيير وجه الشرق الأوسط”. فهذه العبارة لم تكن مجرد خطاب إعلامي، بل تعبيراً عن رؤية استراتيجية تسعى إلى خلق شرق أوسط جديد تُدمج فيه إسرائيل اقتصادياً وأمنياً داخل المنطقة العربية، بينما تُدفع الدول العربية للدخول في ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد تحت المظلة الأمريكية.
لكن ما أربك هذه الحسابات هو أن إيران استطاعت، عبر أوراق الضغط التي تمتلكها في الممرات البحرية والطاقة، أن تفرض حالة اختناق اقتصادي عالمي غير مسبوقة. فالتوترات في الخليج وتهديد الملاحة الدولية انعكست بشكل مباشر على أسعار النفط والطاقة والشحن، الأمر الذي أصاب الاقتصاد العالمي بحالة قلق واضطراب مستمرة.
ولم يكن الاقتصاد الأمريكي بعيداً عن هذا التأثير، بل إن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي شكّل ضغطاً حقيقياً على الداخل الأمريكي، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من ركود اقتصادي وتراجع مستوى المعيشة. ولهذا تبدو واشنطن اليوم وكأنها تبحث عن تسويات سريعة تحفظ مصالحها وتمنع تفاقم الأزمة الاقتصادية التي بدأت تضرب الشارع الأمريكي بشكل واضح.
أما على الجانب العربي، فإن المشهد يكشف حجم الأزمة السياسية التي تعيشها المنطقة. فالكثير من الحكومات العربية ما زالت تتحرك ضمن الإطار الأمريكي، رغم أن التجارب السابقة أثبتت أن الولايات المتحدة لا تدير المنطقة وفق مصالح الشعوب العربية، بل وفق حسابات النفوذ والطاقة وأمن إسرائيل أولاً.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو أسواق الطاقة مرشحة لمزيد من الاضطراب خلال السنوات المقبلة. فكل المؤشرات الاقتصادية والسياسية توحي بأن أسعار النفط لن تشهد انخفاضاً حقيقياً في المدى القريب، بل ستبقى في حالة ارتفاع أو تقلب مستمر حتى عام 2027، نتيجة استمرار التوترات الجيوسياسية والصراع الدولي على الممرات البحرية ومصادر الطاقة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل صراع على شكل الشرق الأوسط القادم، وعلى من يملك القرار فيه، ومن يدفع ثمن هذا التحول الكبير.