كتابنا

كرامة المواطن فوق طوابير الذل

كرامة المواطن فوق طوابير الذل

✍🏻 إحسان الموسوي
21 / 5 / 2026
حين تتحول الحصة التموينية التي كانت تمثل حق المواطن في قوت يومه إلى ما يسمى بالسلة الغذائية فإن القضية لا تعود مجرد تغيير في الأسماء بل انقلاب في المعنى ذاته فالحصة التموينية ارتبطت بفكرة الحق بينما ترتبط السلة الغذائية بمنطق المنحة المؤقتة والفرق بين الحق والمنحة هو الفرق بين المواطن الحر والتابع المنتظر عند أبواب السلطة

هذا التحول اللغوي ليس بريئاً لأن السلطة حين تعيد تعريف الحقوق باعتبارها إعانات فإنها تعيد تشكيل وعي المجتمع على أساس الخضوع لا على أساس المواطنة فالإعانة التي تقدمها الدولة لا تعني معالجة الفقر بقدر ما تعني تكريس صورة المواطن المحتاج الذي ينتظر ما تجود به السلطة عليه بدل أن يحصل على حقوقه الطبيعية في العمل والضمان والحياة الكريمة

السلة الغذائية لم تعد أداة حماية اجتماعية بقدر ما تحولت إلى رمز لعجز الدولة عن بناء اقتصاد منتج وإلى وسيلة لإبقاء المجتمع داخل دائرة الحاجة الدائمة فبدل أن يتحول النفط والثروات الوطنية إلى مصانع ومزارع وفرص عمل وبنية تحتية جرى اختزال الدولة إلى ماكينة توزيع مؤقت للمواد الغذائية وكأن شعباً يعيش فوق بحر من الثروات لا يستحق أكثر من كيس طحين وزجاجة زيت

الأخطر من الفقر نفسه هو صناعة عقلية التبعية لأن المواطن الذي يقف كل شهر في طابور الانتظار يفقد تدريجياً شعوره بالشراكة في الوطن ويتحول من صاحب حق إلى متلقٍ للصدقات وهذا هو جوهر القهر المنظم الذي لا يكتفي بإفقار الناس مادياً بل يسعى إلى إنهاكهم نفسياً وإضعاف قدرتهم على المطالبة بحقوقهم

الدولة الحقيقية لا تبني علاقتها مع شعبها على الطوابير بل على الضمانات ولا تصنع مجتمعاً تابعاً بل مجتمعاً منتجاً قوياً فالمطلوب ليس توسيع برامج الإعانة بل بناء اقتصاد يوفر العمل ويضمن السكن والعلاج والتعليم ويعيد توزيع الثروة بعدالة المطلوب أن يشعر المواطن بأن ما يحصل عليه هو حق ثابت لا منحة قابلة للقطع في أي لحظة

المعركة هنا ليست لغوية فقط بل معركة وعي كامل لأن الكلمات تصنع المفاهيم والمفاهيم تصنع الواقع وحين نقبل بمصطلحات تختزل الشعب إلى محتاج فإننا نقبل ضمناً بثقافة الإذلال أما حين نرفضها فإننا نعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ولحق الإنسان في أن يعيش حراً كريماً على أرض تملك من الثروات ما يكفي لبناء دولة قوية عادلة

إن الكرامة لا تُمنح في سلال ولا تُقاس بحجم الإعانات بل تُبنى عبر العدالة والعمل والحقوق الثابتة وحين يدرك الشعب هذه الحقيقة تتحول المطالبة بالعيش الكريم من رجاء موجّه إلى السلطة إلى حق لا يمكن التنازل عنه في دولة يفترض أن تكون دولة مواطنين لا دولة طوابير وانتظار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى