كتابنا

تألف الأرواح

تألف الأرواح

كتبت✍️ :بيداء الموزاني
هناك لقاءات لا يمكن للعقل أن يفسّرها، وكأن الأرواح تعرف طريقها إلى بعضها قبل أن تتصافح الأيدي أو تتبادل الكلمات. تألف الأرواح ليس صدفة عابرة، بل شعور يشبه العودة إلى مكانٍ قديم كنا نظنه حلماً. هو ذلك الاطمئنان الغامض الذي يتسلل إلى القلب دون استئذان، فيخبرنا بأن بعض الأشخاص لم يأتوا إلى حياتنا عبثاً.
نحن لا نحب الجميع بالطريقة ذاتها، ولا نشعر بالقرب من كل من يحيط بنا، لأن الأرواح لا تنجذب إلى المظاهر ولا تخضع لقوانين المنطق. إنها تبحث عمّن يشبهها في العمق، عمّن يحمل ذات التعب، وذات الحنين، وذات الصمت الطويل الذي لا يفهمه الآخرون. لذلك يحدث أحياناً أن نجد شخصاً لم يمضِ على معرفته وقت طويل، لكنه يبدو أقرب إلينا من سنواتٍ كاملة قضيناها مع غيره.
الأرواح المتآلفة لا تحتاج إلى الكثير من التبرير، فهي تفهم بعضها بإحساس خفي. يكفي نظرة واحدة لتكشف ما تخفيه القلوب، ويكفي الصمت أحياناً ليكون حديثاً كاملاً. هناك أشخاص حين نتحدث معهم نشعر بأن أرواحنا تتخفف من أعبائها، وكأن وجودهم يعيد ترتيب الفوضى في داخلنا دون أن يشعروا.
وفي المقابل، هناك أرواح تُتعبنا مهما حاولنا الاقتراب منها، لأن الأرواح لا تجتمع دائماً لمجرد الرغبة. فالتشابه الحقيقي ليس في الطباع فقط، بل في الإحساس، وفي القدرة على احتواء ضعف الآخر دون إدانة، وعلى البقاء رغم العتمة وتقلبات الحياة.
إن أكثر ما يؤلم في تألف الأرواح هو أن بعض الأرواح تلتقي ولا يُكتب لها البقاء. تمرّ كنسمة دافئة في قلب الشتاء ثم ترحل، لكنها تترك أثراً لا يمحوه الزمن. فبعض الأشخاص لا يغادروننا تماماً، لأن أرواحهم تبقى عالقة في تفاصيلنا الصغيرة؛ في الأماكن، وهمس الذكريات، وحتى في طريقة صمتنا بعدهم.
وربما خُلقت الأرواح المتآلفة لتُذكّر الإنسان بأنه ليس وحيداً تماماً في هذا العالم، وأن هناك قلباً في مكان ما يشعر بما يشعر به، حتى وإن فرّقت بينهما الطرق. فحين تتآلف الأرواح يصبح القرب شعوراً لا تُقاس مسافته بالأماكن، بل بعمق الأثر الذي يتركه أحدهم في روح الآخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى