العيش على خطّ الزلازل السياسية

العيش على خطّ الزلازل السياسية
كتب✍️ :راهي الحاتم
في مناطق كثيرة من العالم لم تعد الزلازل حدثاً جيولوجياً فقط، بل تحوّلت السياسة نفسها إلى أرض متصدعة لا تهدأ.
شعوبٌ بأكملها باتت تعيش فوق فوالق التوترات الدولية، تترقب كلَّ يومٍ احتمال انفجار أزمة جديدة، أو حرب مفاجئة، أو انقلاب في موازين القوى يعيد رسم المشهد من جديد.
في الشرق الأوسط على وجه الخصوص، أصبحت الحياة اليومية مرتبطة بإيقاع الصراع أكثر من ارتباطها بإيقاع التنمية والاستقرار.
فكلُّ حدثٍ سياسي كبير يترك ارتداداته على الأسواق والشارع والاقتصاد وحتى على المزاج العام للناس

تصريحٌ صادر من واشنطن قد يرفع أسعار الوقود، وتهديد عسكري في الخليج قد يدفع العملات إلى التراجع، أما أي مواجهة إقليمية فتتحول فوراً إلى مصدر قلق جماعي ينعكس على تفاصيل الحياة البسيطة للمواطنين.
العيش على خطّ الزلازل السياسية لا يعني فقط الخوف من الحرب، بل يعني أيضاً حالة الاستنزاف الطويلة التي تصيب المجتمعات.
فالإنسان الذي يعيش سنوات وسط الأزمات يفقد تدريجياً إحساسه بالأمان والاستقرار، ويصبح معتاداً على الأخبار العاجلة أكثر من اعتياده على مشاريع البناء والتنمية.
حتى الأجيال الجديدة نشأت في بيئة تتكرر فيها مفردات الحصار والعقوبات والتصعيد والاغتيالات والتهديدات العسكرية، وكأنها جزء طبيعي من الحياة.
المشكلة الأخطر أن كثيراً من الدول الواقعة في بؤر الصراع لم تعد تمتلك قرارها السياسي والاقتصادي بصورة كاملة، بل أصبحت ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية.
فالقوى الكبرى تتعامل مع هذه المناطق باعتبارها خطوط نفوذ وممرات طاقة ومواقع استراتيجية، بينما تدفع الشعوب وحدها كلفة هذا الاشتباك المستمر.
وفي ظل هذا الواقع، تتأثر كل القطاعات تقريباً
الاقتصاد يعيش حالة قلق دائم، والاستثمارات تتراجع، وفرص العمل تضيق، فيما تتحول ميزانيات الدول من مشاريع التنمية إلى الإنفاق الأمني والعسكري.
أما المواطن البسيط فيجد نفسه محاصراً بين ارتفاع الأسعار والخوف من المستقبل وانعدام اليقين السياسي.
ورغم كل ذلك، فإن الشعوب التي تعيش على خطّ الزلازل السياسية تمتلك قدرة استثنائية على التكيّف والصمود.
فهي شعوب اعتادت أن تبني حياتها وسط الأزمات، وأن تستمر رغم الضغوط والانهيارات المتكررة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
إلى متى يمكن للمنطقة أن تبقى رهينة هذا الاضطراب المزمن؟
وكم جيلاً آخر يجب أن يعيش تحت ظلال الصراعات قبل أن تتحول السياسة من مصدر تهديد دائم إلى مساحةٍ للاستقرار والتنمية؟



