الهدنة الكاذبة… حين تُدار الحرب بلا إعلان

الهدنة الكاذبة… حين تُدار الحرب بلا إعلان
كتب✍️ :راهي الحاتم
ليس هناك ما يُسمّى “هدنة” في هذا الشرق المنهك… هناك فقط تأجيلٌ للانفجار.
بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة، وإيران ومحور المقاومة من جهة أخرى، لا تجري معركة تقليدية تُحسم بانتصار واضح، بل صراعٌ طويل يُدار على أعصاب الشعوب قبل جبهات القتال. من يظن أن الحرب توقفت، لم يفهم أن ما يحدث أخطر من الحرب نفسها: إدارة حرب دون إعلانها.
الانتصار هنا ليس مؤجلاً بقدر ما هو ممنوعٌ مؤقتاً.
فالذهاب إلى الحسم مكلفٌ إلى درجة لا يستطيع أي طرف تحمّلها.
واشنطن تدرك أن مواجهة شاملة قد تُحرق ما تبقى من نفوذها في المنطقة، والكيان الصهيوني يعلم أن حرباً مفتوحة قد تكشف هشاشته الداخلية قبل أن تُظهر قوته. في المقابل، تدرك إيران ومحور المقاومة أن الذهاب إلى النهاية يعني الاصطدام بآلة عسكرية هائلة قد تُعيد تشكيل المنطقة بالكامل.
لذلك، يقف الجميع على حافة الهاوية… دون أن يقفز أحد.
ما نشهده اليوم ليس سلاماً، بل توازن رعبٍ دقيق: ضربات محسوبة، ردود مدروسة، تصعيد محدود، ثم تراجع أكثر حساباً.
هي لعبة عضّ الأصابع… لكن دون السماح بكسرها.
أما ما يُروَّج له على أنه “اتفاق” أو “تهدئة طويلة”، فهو في حقيقته استراحة محارب لا أكثر؛ استراحة لإعادة ترتيب الأوراق، ترميم الجبهات، وإعادة شحن الخطاب. كل طرف يعيد بناء قوته… لا ليحافظ على السلام، بل ليستعد للجولة القادمة.
لكن الأخطر من الصواريخ والطائرات… هو الإعلام.
لم يعد الإعلام ناقلاً للأحداث، بل تحوّل إلى سلاحٍ موازٍ، بل ومتقدم أحياناً على السلاح نفسه.
قنوات ومنصات وجيوش إلكترونية تعمل بلا توقف، لا لتخبرك بما يحدث، بل لتقنعك بما يجب أن تصدّقه.
يُعاد تعريف الهزيمة لتصبح “إعادة تموضع”، ويُسوَّق التراجع على أنه “نصر تكتيكي”، ويُلبس الفشل ثوب “الحكمة الاستراتيجية”.
تُضخ المخاوف في نفوس الشعوب حيناً، وتُباع لها أوهام الانتصار حيناً آخر.
الهدف ليس الحقيقة… بل السيطرة على الوعي، وهنا تكمن الكارثة.
لقد نجح الإعلام إلى حدٍّ بعيد في شطر الوعي العربي: فئة تعيش نشوة انتصارات متخيّلة،
وأخرى غارقة في إحباطٍ دائم، وبينهما جمهورٌ تائه لا يعرف أين الحقيقة، وهذا تماماً ما تريده كل الأطراف: شعوبٌ مشوشة، منقسمة، مُنهكة نفسياً… لا تملك القدرة على الفهم، فضلاً عن الفعل.
الحقيقة القاسية أن المعركة لم تبدأ بعد بشكلها الكامل… لكنها أيضاً لم تتوقف يوماً.
نحن في قلب حربٍ بطيئة، تُدار على مراحل، تُستنزف فيها الدول، وتُرهق فيها الشعوب، بينما يُعاد رسم ميزان القوى بهدوءٍ قاتل.
لا هدنة حقيقية…
ولا سلام في الأفق…
بل زمنٌ معلّق،
بين انفجارٍ لم يحدث بعد…
وحربٍ لم تنتهِ أصلاً.



