خرائط العراق… واستعادة الحق الكامل

خرائط العراق… واستعادة الحق الكامل
كتب✍️ :راهي الحاتم
حين أودعت بغداد خرائطها البحرية وفق أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لم تكن ترسم خطوطاً على الماء فحسب، بل كانت ترسم بداية مرحلة جديدة عنوانها: لا تنازل عن السيادة، ولا صمت بعد اليوم عن الحقوق البحرية.

ردود الفعل المتسرعة من بعض دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية لم تُخفِ جوهر القلق: أن العراق قرر أن يتحرك قانونياً في ملف ظلّ لسنوات يُدار سياسياً بمعزل عنه. في قضية حقل الدرة/آرش، تمضي تفاهمات بين السعودية والكويت وكأن الطرف الثالث غير موجود، بينما الحقيقة الجغرافية والقانونية تقول إن العراق جزء أصيل من أي معادلة تخص هذه المنطقة البحرية.
إن تجاهل العراق في استثمارات بحرية تمت أو تتم في مناطق خلاف، لا يعني انتهاء الحق، بل يعني تراكم مطالبات مؤجلة. فكل برميل يُستخرج من منطقة متنازع عليها دون اتفاق شامل، وكل عقد يُبرم دون إشراك جميع الأطراف، يفتح باباً قانونياً للمطالبة بالتعويض.
وهنا تكمن النقطة الأخطر:
ليست القضية حدوداً فقط، بل عوائد مالية ضخمة نتجت عن استثمارات بحرية جرت في ظل غياب العراق عن الطاولة. هذه العوائد، إن ثبت قانونياً أنها استُخرجت من مناطق للعراق فيها حق سيادي أو مشترك، فإن استعادتها ليست شعاراً سياسياً، بل استحقاقاً قانونياً. الحديث هنا ليس عن أرقام هامشية، بل عن مبالغ قد تصل إلى ترليونات الدولارات عبر سنوات طويلة من الاستثمار والإنتاج.
إن القانون الدولي لا يحمي فقط ترسيم الحدود، بل يحمي كذلك الحقوق المالية الناشئة عنها. وكل استثمار تم في منطقة نزاع دون تسوية شاملة يبقى عرضة للمراجعة القانونية والمطالبة بالتعويض.
أما مصر، التي انضمت إلى بيانات الإدانة، فهي تدرك أكثر من غيرها أن معارك السيادة لا تُقاس بحجم الضغوط السياسية بل بصلابة الموقف القانوني، كما في ملف سد النهضة. من حق كل دولة أن تدافع عن مواردها، ومن حق العراق أن يفعل الأمر ذاته.
من هنا نحن لا ندعو إلى تصعيد، بل إلى مواجهة قانونية شاملة:
تدقيق كل العقود البحرية في مناطق الخلاف.
احتساب العوائد منذ بدء الاستثمار.
اللجوء إلى التحكيم أو القضاء الدولي عند الاقتضاء.
تحويل ملف الثروات البحرية إلى قضية سيادية عليا لا تخضع للمساومات.
السيادة ليست مجرد خطٍ على الخريطة، بل ثروة وقرار واستقلال اقتصادي.
ومن يعتقد أن الزمن كفيل بطيّ هذه الملفات، يتجاهل أن الحقوق حين تُوثّق لا تموت، بل تنتظر لحظة المطالبة.
العراق اليوم لا يرسم حدوده فقط، بل يفتح سجلاً كاملاً لكل ما استُخرج من مياهه أو مناطقه المشتركة دون اتفاق عادل.
ومن ظنّ أن البحر بلا ذاكرة، سيكتشف أن الوثائق تحتفظ بكل شيء.


