كتابنا

الصحافة والإعلام… بين الحقيقة وهيمنة الرواية الغربية

الصحافة والإعلام… بين الحقيقة وهيمنة الرواية الغربية

 

كتب ✍️: راهي الحاتم
تُعد الصحافة والإعلام العمود الفقري لحياة الدول، والواجهة التي تعكس سياساتها وتوجهاتها الحقيقية، لا تلك التي تُسوق عبر البيانات الرسمية والخطابات المعلّبة. فالإعلام، حين يكون حرًا ومسؤولًا، يتحول إلى سلطة رقابية تضع الحاكم تحت المساءلة، وحين يُفرغ من دوره، يصبح أداة تزييف، تُلمع الفشل، وتُخفي الإخفاقات، وتعيد إنتاج الخطاب الرسمي بصيغ مختلفة.

في كثير من البلدان، تراجعت الصحافة عن دورها المهني، لتحلّ محلها منابر موجهة تُدار وفق حسابات سياسية ومصالح ضيقة، حيث تُقمع الأصوات المستقلة، وتُرسم خطوط حمراء لا لحماية المجتمع، بل لحماية الفساد ومراكز النفوذ. وهكذا، يفقد الإعلام مكانته كـ«سلطة رابعة»، ويتحول إلى تابعٍ خانع، يبرر السياسات بدل أن يراقبها.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الذي يمارسه الإعلام الأميركي والأوروبي، الذي يرفع شعارات المهنية والحياد، بينما يمارس انتقائية فاضحة في نقل الوقائع، خاصة حين يتعلّق الأمر بدويلة إسرائيل. فهناك تواطؤ إعلامي واضح في تزييف الحقائق، وتبرير العدوان، وقلب الأدوار بين الضحية والجلاد، في مشهد يفضح ازدواجية المعايير، ويكشف زيف الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان وحرية الصحافة.
وقد تجاوز هذا التواطؤ حدود التضليل إلى صناعة وعي عالمي مشوه، تُسوق فيه الجرائم على أنها “دفاع عن النفس”، وتُجرم المقاومة، ويُقمع أي صوت يحاول كسر الرواية السائدة. ويجد هذا الخطاب صداه في إعلامٍ مأجور داخل بعض الدويلات العربية والإسلامية، يردد السردية ذاتها، مقابل مكاسب سياسية أو مالية، متخليًا عن أبسط قواعد المهنية والمسؤولية.
ولا يقف الاستهداف الإعلامي عند هذا الحد، إذ يُلاحظ بوضوح تسخير الأبواق الإعلامية في المنطقة، بإدارة أو دعم غربي، للتحريض المستمر ضد جمهورية إيران الإسلامية، وتقديمها بوصفها الخطر الدائم والعدو الجاهز. حملة منظمة تتشابه عناوينها وتوقيتها، وتترافق مع حشدٍ سياسي وعسكري عبر البحار، واستعراض للقوة، وتحركات عسكرية تتم غالبًا بمباركة دول جوار إقليمي، في مشهد يثير تساؤلات جوهرية حول دوافع هذا التصعيد ومن يقف خلفه.
إن سبب هذا الاستنفار لا يبدو خافيًا؛ فإيران، منذ عقود، قالت “لا” صريحة لإسرائيل، ورفضت الخضوع للإملاءات الأميركية والغربية، وخرجت عن منظومة الهيمنة في المنطقة. هذا الموقف، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف معه، كان كافيًا لوضعها في دائرة الاستهداف الدائم، وتحويلها إلى شماعة تُعلق عليها أزمات المنطقة، وذريعة جاهزة للتدخل والضغط والحصار.
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس الخلافات السياسية بحد ذاتها، بل استخدام الإعلام كسلاح ناعم لتهيئة الرأي العام، وتبرير السياسات العدوانية، وصناعة أعداء وفق الحاجة. وهنا تتجلى المعركة الحقيقية على الوعي، حيث تُدار بالكلمة قبل القرار، وبالصورة قبل البندقية.
إن استعادة دور الصحافة كصوتٍ للحقيقة، لا كصدى للسلطة، تمثل خطوة أساسية في مواجهة هذا التزييف المنهجي، وتأكيدًا على أن الإعلام الحر ليس ترفًا، بل ضرورة لحماية الوعي، وصون الكرامة، ومنع تحويل الشعوب إلى وقود في معارك المصالح الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى