هل آن أوان الوفاء لرجال الفتوى والجهاد؟
كتب ✍️:راهي الحاتم
في تاريخ الشعوب محطات مفصلية تُختبر فيها الإرادات، وتُعرف فيها معادن الرجال، وتُسجل فيها المواقف التي لا يطويها الزمن. وكان عام 2014 واحداً من تلك المنعطفات الكبرى التي وضعت العراق أمام أخطر تهديد وجودي في تاريخه الحديث، حين تمددت عصابات داعش الإرهابية على أجزاء واسعة من البلاد، وأصبح الوطن أمام امتحان مصيري لا يحتمل التردد أو الحسابات الضيقة.
في تلك اللحظات العصيبة، انطلقت فتوى الجهاد الكفائي لتوقظ الضمير الوطني، وتستنهض همم العراقيين للدفاع عن أرضهم ومقدساتهم وكرامتهم. فلبّى النداء رجال آمنوا بأن الأوطان لا تُصان إلا بالتضحية، وأن الشرف الحقيقي يكمن في الوقوف بوجه الخطر مهما بلغت التحديات.
لم يكن أولئك الرجال يبحثون عن مكاسب أو امتيازات، ولم يسألوا عن مستقبلهم الوظيفي أو حقوقهم التقاعدية، بل حملوا أرواحهم على أكفهم، وذهبوا إلى ميادين المواجهة ليصنعوا نصراً أعاد للعراق هيبته ووحدته وأمنه. وكان بين صفوفهم رجال تجاوزوا أعمار الشباب، لكنهم امتلكوا من العزيمة والإيمان ما جعلهم أكثر حضوراً وثباتاً في ساحات الشرف والفداء.
واليوم، وبعد سنوات من تلك التضحيات، يقف الكثير من كبار السن من منتسبي الحشد الشعبي بانتظار إنصاف طال أمده، مترقبين إقرار قانون الخدمة والتقاعد الذي يضمن لهم حياة كريمة تحفظ ما تبقى من أعمارهم، وتصون حقوق أسرهم التي شاركتهم أعباء التضحية والصبر.
إن الحديث عن هذا القانون لا ينبغي أن يُختزل في الأبعاد الإدارية أو الحسابات السياسية، بل يجب أن يُنظر إليه بوصفه قضية وفاء وطني ومسؤولية أخلاقية تجاه رجال وقفوا عندما اهتزت المواقف، وصمدوا عندما خيم الخوف على النفوس، وسطروا بدمائهم ملحمة ستظل مصدر فخر للأجيال القادمة.
فالدول العظيمة هي التي تحفظ الجميل لأبنائها، وتترجم تقديرها لهم إلى قوانين ومؤسسات تكفل حقوقهم وتصون كرامتهم. أما الوفاء الذي يبقى حبيس الكلمات والخطابات، فلا يحقق العدالة التي يستحقها المضحون.
إن إدراج مشروع قانون الخدمة والتقاعد لمنتسبي الحشد الشعبي ضمن أولويات مجلس النواب لم يعد مطلباً فئوياً، بل استحقاقاً وطنياً ينتظره الآلاف ممن قدموا زهرة أعمارهم دفاعاً عن العراق. وهو رسالة واضحة بأن الدولة لا تنسى أبناءها الذين لبّوا نداء الواجب في أصعب الظروف، وأن التضحية في سبيل الوطن تجد تقديرها وإنصافها في نهاية المطاف.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الشارع العراقي بإلحاح: هل آن أوان الوفاء لرجال الفتوى والجهاد؟ وهل تتحول كلمات الثناء والامتنان إلى تشريعات تحفظ الحقوق وتكرم التضحيات؟
إن التاريخ لا ينسى المواقف، والشعوب لا تنسى من وقف معها في الشدائد، وسيبقى الوفاء للمضحين معياراً حقيقياً لصدق الانتماء للوطن واحترام تاريخه ورجاله.