
كتب الاعلامي حسين مرتضى
منذ أكثر من عام ونصف، يعيش لبنان تحت وطأة اعتداءات إسرائيلية متواصلة تستهدف الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق لبنانية أخرى، وسط مشهد سياسي داخلي يثير الكثير من علامات الاستفهام حول طبيعة أداء السلطة اللبنانية في مواجهة هذا العدوان.
المشكلة اليوم لا تكمن في غياب النصوص القانونية أو الدستورية، بل في طريقة التعاطي معها وتوظيفها. فما تقوم به السلطة اللبنانية، وفق الوقائع القائمة، يتعارض مع الأسس الدستورية التي يقوم عليها النظام اللبناني، كما يتجاوز مقتضيات اتفاق الطائف الذي يُعد المرجعية الناظمة للحياة السياسية والدستورية في البلاد. لذلك، فإن أي قرار مصيري يتعلق بمستقبل لبنان أو بأمنه الوطني يجب أن يكون منسجمًا مع أحكام الدستور وروحية اتفاق الطائف، لا أن يُبنى على اجتهادات أو ضغوط خارجية.
وفي الوقت الذي التزمت فيه المقاومة بكل ما طُلب منها في إطار التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار، لم يلتزم العدو الإسرائيلي بأي من تعهداته، بل واصل اعتداءاته اليومية، ونفذ عمليات اغتيال واستهداف، وارتكب مجازر بحق المدنيين، في انتهاك واضح لكل الاتفاقات والقوانين الدولية. ورغم ذلك، لم نشهد موقفًا رسميًا لبنانيًا يرتقي إلى مستوى هذه الجرائم، إذ غابت الإدانة الحازمة للمجازر التي طالت أبناء الجنوب والضاحية الجنوبية، وكأن دماء اللبنانيين أصبحت خارج دائرة الاهتمام الرسمي.
ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن الدور الأمريكي الداعم لها. فالولايات المتحدة ليست وسيطًا محايدًا كما تحاول أن تظهر، بل هي شريك أساسي في الحرب على لبنان، سواء من خلال الدعم العسكري والسياسي غير المحدود للكيان الإسرائيلي أو عبر توفير الغطاء الدبلوماسي لاستمرار العدوان. وعندما تسقط الصواريخ على الجنوب والضاحية، فإن المسؤولية لا تقع على الاحتلال وحده، بل تمتد أيضًا إلى الإدارة الأمريكية التي تؤمن له أدوات القتل والحماية السياسية.
أما على المستوى الدستوري، فإن محاولات تصوير رئيس الجمهورية على أنه يمتلك منفردًا صلاحيات عقد الاتفاقات أو إدارة المفاوضات تمثل قراءة غير دقيقة للدستور اللبناني، لأن النظام السياسي بعد اتفاق الطائف قام على مبدأ توزيع الصلاحيات والتوازن بين المؤسسات، وليس على منح أي جهة صلاحيات مطلقة في القضايا الوطنية الكبرى.
إن ما يجري اليوم يتجاوز النقاش التقليدي حول السلاح، لأن القضية الأساسية تتمثل في حماية لبنان وسيادته في مواجهة عدو يواصل اعتداءاته بلا توقف. فمن غير المنطقي أن يُطلب من المقاومة تقديم المزيد من الالتزامات، فيما لا يُلزم الاحتلال بأي تعهد، ولا تُحاسب الجهات الدولية التي تؤمن له الغطاء السياسي والعسكري.
لهذا، فإن أي مقاربة جدية لمستقبل لبنان يجب أن تبدأ من وقف العدوان الإسرائيلي، وإلزام الاحتلال بتنفيذ تعهداته، والدفاع عن حقوق اللبنانيين، بدل الانشغال بحملات سياسية تستهدف عناصر القوة الوطنية، بينما يستمر العدو في قتل المدنيين واستباحة الأرض والسيادة. وفي ظل استمرار هذا الواقع، يبقى النقاش حول سلاح المقاومة بالنسبة إلى مؤيديها مرتبطًا باعتباره جزءًا من معادلة الردع والدفاع عن لبنان، لا قضية يمكن حسمها تحت ضغط الاعتداءات أو الإملاءات الخارجية.


