مواسم النضوج

مواسم النضوج
كتبت✍️ : بيداء الموزاني
ليس للنضوج موعد ثابت، ولا يرتبط بعدد السنوات التي نعبرها، بل هو ثمرة تجارب، ومواقف، وانكسارات، وانتصارات صغيرة تصنع في داخلنا إنسانًا أكثر اتزانًا. فكما تمر الأشجار بمواسمها حتى تكتمل ثمارها، يمر الإنسان بمواسم متعددة حتى يزهر وعيه وتصفو رؤيته للحياة.
في موسم الطفولة نؤمن بأن العالم بسيط، وأن الأحلام تكفي لتغيير كل شيء. ثم تأتي مواسم التجربة، فنكتشف أن الحياة لا تمنح دروسها مجانًا، وأن بعض الخسائر كانت الطريق إلى معرفة أنفسنا، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت كانت رحمة لم ندركها إلا بعد حين.
النضوج لا يعني أن تتوقف عن الحلم، بل أن تعرف أي الأحلام يستحق أن تُقاتل من أجله، وأيها يجب أن تتركه يمضي. ولا يعني أن تخلو الحياة من الألم، بل أن تتعلم كيف تتجاوزه دون أن تفقد إنسانيتك أو طيبة قلبك.
أجمل مواسم النضوج هو ذلك الذي يصبح فيه الإنسان أكثر تصالحًا مع نفسه، أقل انشغالًا بأحكام الآخرين، وأكثر اهتمامًا بترك أثر طيب في كل من يلتقيه. عندها يدرك أن القوة ليست في ارتفاع الصوت، بل في سكينة الروح، وأن الحكمة ليست في كثرة الكلام، بل في حسن الاختيار.
وهكذا تستمر الحياة في تبديل فصولها، ويبقى النضوج أجمل مواسمها، لأنه الموسم الذي تنضج فيه القلوب قبل العقول، وتثمر فيه الأخلاق قبل الكلمات.



