اخبار العراق

التستر على الفاسدين وفق مبدأ “طم طم لي… وأطم طم لك”

التستر على الفاسدين وفق مبدأ “طم طم لي… وأطم طم لك”

الوسق الاخبارية-بغداد

ليس أخطر ما يواجه العراق اليوم كثرة ملفات الفساد، بل اعتياد الناس عليها حتى غدت خبرًا عابرًا لا يثير إلا لحظات من الغضب، ثم يُطوى كما طُويت مئات الملفات قبله. فالمال العام يُنهب، والمشاريع تتعثر، والخدمات تتراجع، بينما يبقى المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة، محرومًا من أبسط مقومات الحياة الكريمة.
والأكثر إيلامًا أن بعض الأصوات لا تكتفي بالصمت، بل تسارع إلى تبرير الفاسدين أو التخفيف من جرائمهم، وكأن سرقة المال العام أصبحت وجهة نظر. وهنا يتجسد المثل الشعبي العراقي: “طم طم لي… وأطم طم لك”؛ أي تستر على أخطائي وأتستر على أخطائك، حتى تتكون شبكة من المصالح المتبادلة، يحمي فيها الفاسدُ الفاسدَ، ويصبح كشف الحقيقة تهديدًا للجميع.
ولهذا نسمع كثيرًا العبارة التي تتكرر كلما فُتح ملف فساد كبير: “لو انكشف المستور لسقطت رؤوس كبيرة.” لكن أيُّ رؤوسٍ هذه التي يُراد حمايتها؟ هل يمنح المنصب أو النفوذ حصانة من العدالة؟ وهل يصبح المال العام مباحًا إذا كان السارق صاحب سلطة أو جاه؟
إن من يسرق المال العام لا يسرق أموال الدولة فحسب، بل يسرق مستقبل الأجيال، ويحرم المريض من دوائه، والطالب من مدرسته، والعاطل من فرصة عمله، ويبدد ثروات كان يمكن أن تصنع عراقًا يليق بأبنائه.
لقد كان الإسلام واضحًا وحاسمًا في رفض جريمة السرقة، فقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]. وهذه الآية تؤكد عظمة حرمة المال ووجوب حماية الحقوق وإقامة العدل، وأن أحدًا لا ينبغي أن يكون فوق القانون أو بمنأى عن المحاسبة، وفق القضاء والضوابط الشرعية والقانونية.
إن الدول لا تنهار بسبب قلة الموارد، وإنما تنهار عندما يصبح الفساد ثقافة، والتستر على الفاسدين سلوكًا، ويغدو المثل “طم طم لي… وأطم طم لك” أقوى من الدستور والقانون.
العراق اليوم لا يحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى عدالة لا تفرق بين مسؤول ومواطن، ولا بين صاحب نفوذ وفقير. فحين يشعر الفاسد أن القانون سيحاسبه مهما كان منصبه، وحين يطمئن المواطن إلى أن المال العام مصان، عندها فقط تبدأ الدولة باستعادة هيبتها، ويبدأ الوطن باستعادة مستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى