كتابنا

تجارة تركيا تفيض… وأنهار العراق تجف

تجارة تركيا تفيض… وأنهار العراق تجف

✍كتب: راهي الحاتم

بين العراق وتركيا مسافةٌ لا تُقاس بالكيلومترات، بل تُقاس بالدمع الذي يسقط من عين الفلاح العراقي، وهو يرى حقله ييبس عطشًا، بينما تنحدر قوافل البضائع التركية في شوارع بغداد والبصرة والموصل كما لو أنها أمطار غزيرة لا تنقطع. لقد أصبح العراق رئة الاقتصاد التركي، فسوقه الواسعة استوعبت في عام واحد ما تجاوز أحد عشر إلى ثلاثة عشر مليار دولار من صادرات أنقرة، ليقف في المرتبة الرابعة بين مستوردي البضائع التركية، فيما لم يتجاوز ما يصدره هو سوى بضع مئات من الملايين، في عجزٍ يصرخ بما يفوق عشرة مليارات لصالح جاره الشمالي.

لكن تركيا، التي تنعش اقتصادها من هذه السوق، لا تتردد في أن تخنق العراق بالماء. فسدودها الضخمة، وعلى رأسها سد إليسو، جعلت دجلة يترنح بنصف روحه، وجعلت الفلاح العراقي يقف أمام أرضه كمن يقف أمام قبرٍ أخضر ذابل. كيف لبلادٍ أن تُطعم غيرها من البضائع وتمنع عنها شريان الحياة؟ وكيف لشعبٍ أن يشتري كل يوم أثاثًا وملابس وأجهزة تركية، بينما يبيع أرضه عطشًا بأثمان بخسة؟

المعادلة قاسية، لكن في القسوة تكمن الحقيقة. فالعراق ليس ضعيفًا كما يبدو، بل يملك الورقة التي ترتجف لها أنقرة: السوق. السوق التي تُدرّ المليارات على اقتصادها، السوق التي تمثل ربع صادراتها إلى البلاد العربية، السوق التي تستطيع، إن أرادت بغداد، أن تُغلق أبوابها أو تفتحها بشروط تحفظ ماء الفرات ودجلة، وتحفظ حقول الأرز والقمح والذرة.

إنها لحظة وعي سياسي قبل أن تكون لحظة مواجهة اقتصادية. فالدول لا تعيش بالانفعال، بل بالقدرة على تحويل الأرقام إلى سلاح، والمصالح إلى تفاوض، والشراكات إلى معادلات متوازنة. والعراق، وهو الذي كان مهد الحضارة والزراعة، لا يجوز أن يُترك أسيرًا لسياسات العطش بينما يفيض جاره بالأرباح.

لتكن الكلمة بالعراقي واضحة: لسنا مجرد مستهلكين لبضائعكم، نحن أصحاب أرضٍ وماء، ومن حقنا أن نقول إن السوق ليست مفتوحة بلا مقابل، وإن الزرع الذي يذبل في حقولنا أغلى من كل مليارات التجارة. فكما يحتاج الجار إلى السوق، يحتاج العراق إلى الحياة، وحياة الرافدين لا تُشترى بالدولار بل تُسقى بالماء.

أيا دجلةَ العطشانَ صبرًا فإننا
سنروي ثراكَ إذا تجلّى السحبُ

ويا أرضَ بابلَ لا تذوبِي حسرةً
ففيكَ حياةٌ للوجودِ تُحبُّ

إذا ما تلاشتْ في السدودِ مياهُنا
فنبضُ العراقِ على الجراحِ يثبُ

وفي الختام، إلى صناع القرار العراقي، نقول: لا تنتظروا أن تتغير الموازين من تلقاء نفسها، فالاقتصاد والسوق هما ورقتكم الأقوى، والماء هو حياتكم وأرضكم. استخدموا القوة السياسية والاقتصادية معًا، وضعوا شروطًا عادلة في التعامل مع الجار، واستثمروا هذه اللحظة التاريخية لاستعادة حقوق الشعب والزراعة، قبل أن تصبح الأرض مجرد ذكرى للعطش، والسوق مجرد رقم في دفاتر الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى