كتابنا

أقلامٌ مقاتلة: عندما يتحوّل الحبر إلى سلاح

أقلامٌ مقاتلة: عندما يتحوّل الحبر إلى سلاح

 

كتب✍ : راهي الحاتم

في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتقاطع المصالح، يبقى القلم الميدان الأول للحقيقة، والسلاح الذي لا يُشهر إلا في وجه الباطل. القلم ليس مجرد أداة؛ بل ضمير حيّ يسجل ما تمليه عليه النفس الحرة من مواقف ووقائع، ويخطّ على الصحف البيضاء نبض الفكر ووجدان الأمة.

كم من قلمٍ خان صاحبه فباع كلمته في سوق النفاق فاندثرت كتاباته في مقالب النسيان؟ وكم من قلمٍ حرّر العقول وكسَر القيود لأن صاحبه كتب بما أملاه عليه ضميره، لا بما أملاه عليه سلطان أو مال؟

اليوم، في زمنٍ مشحون بالدم والتزييف، تكتب غزة بمدادٍ من دمٍ وتضحيةٍ وشهادة؛ تكتب ليس بالحبر وحده، بل بأشلاء أطفالها ودماء شهدائها. وفي المقابل، هناك أقلام مأجورة تزين الخيانة وتلمع صور الطغاة، وتقدّس أسماء من جعلوا الأمة سلعة تُباع في أسواق السياسة والهيمنة.

لقد ضاق الخناق على الكيان الصهيوني فأعاد توجيه بوصلته نحو مناطق أخرى، واستغلّ بعض الحكام والعملاء وسيلةً لتحقيق مصالحه. ومن هناك ظهرت أقلام مأجورة تبثّ سمومها لتشتيت الأنظار عن فلسطين وتبرير جرائمٍ لا تُبرر. حتى أن أطرافًا إقليمية استغلت الفوضى لتغذي نزاعات داخلية، فتتحول دولٌ إلى ساحاتٍ لصراعٍ يخدم أجنداتٍ خارجية.

ومع ذلك تبقى الحقيقة ناصعة لا تُطمس: فلسطين لا تُنسى، والقدس لا تُباع. مهما اشتدّ عواء الأقلام المأجورة، ستبقى أقلامٌ مقاتلة لا تكتب إلا بالحق، لا تعرف إلا طريق الكرامة. أقلامٌ لا تخاف في الله لومة لائم، لأنها تعلم أن الكلمة الصادقة لا تُقتل، وأن التاريخ لا يرحم من باع ضميره في مزاد الخيانة.

وبالمناسبة، لا يمكن فصل ما يجري في السودان عن مسؤولياتنا الجماعية: اشتدت الحرب هناك، ومزقت النسيج الاجتماعي، وأظهرت هشاشة الحالة الوطنية حين استسلم بعضهم لمغريات وأجندات خارجية. نعتذر لأبناء السودان عن تقصيرنا الفكري والإنساني حين شغلتنا أمورٌ أخرى؛ فغزة كانت الجرح الأعظم، والسودان جرحٌ داخلي بمقدار ما هو عربي. الحق يبقى واحدًا، والضمير واحد — فلا فلسطين تُنسى، ولا السودان يُغفل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى