حين يصبح النفط سلاحًا،هل تفتح إيران جبهة الطاقة إلى جانب جبهة الصواريخ؟

في لحظات التحوّل الكبرى، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ وحدها، بل بقدرة الدول على توظيف عناصر القوة غير العسكرية بوصفها أدوات ردع وتأثير استراتيجي. وما تشهده المنطقة اليوم من تصعيد متدرّج في البحار والممرات الحيوية، يطرح سؤالًا يتجاوز الميدان العسكري إلى عمق الاقتصاد العالمي:
هل تفكّر إيران في استخدام سلاح النفط والطاقة كمكمّل للصواريخ، لا كبديل عنها؟
فما يجري في خليج عدن وبحر العرب وسواحل عُمان لا يبدو مجرد احتكاكات أمنية عابرة، بل رسائل محسوبة في مسرح ضغط واسع، قد يمتد – إذا اختلّ ميزان الردع – إلى أخطر شريان للطاقة في العالم:
مضيق هرمز.
وهنا يصبح النفط، كما الصواريخ فرط الصوتية، أداة سياسية – استراتيجية قادرة على إرباك الخصوم، وخلخلة الأسواق، وفرض معادلات تتجاوز حدود الإقليم إلى النظام الدولي برمّته.
وعندما تتحول اللقاءات من خليج عدن إلى مضيق هرمز
ستقترب المنطقة من لحظة الانفجار الكبير؟
وحيث تشهد منطقة الشرق الأوسط، منذ أسابيع، تصعيدًا متدرجًا لا يمكن عزله عن التحولات الجيوسياسية العالمية.
فما يجري في خليج عدن وسواحل بحر العرب وبالقرب من عُمان، ليس أحداثًا متفرقة أو معزولة، بل حلقات في سلسلة ضغط استراتيجية قد تمتد
– إذا فشلت أدوات الاحتواء –
إلى أخطر الممرات البحرية في العالم.
أولًا:
مناورات الرسائل قبل كسر الخطوط الحمراء.
فالتصعيد الحالي لا يزال ضمن إطار الحرب غير المباشرة و تعطيل ملاحة محدود، زاستهداف مدروس، ورسائل قوة محسوبة.
أما خليج عدن وباب المندب فإنهما يمثلان خاصرة التجارة العالمية،
أما مضيق هرمز فهو قلب سوق الطاقة الدولي.
ولهذا، فإن أي انتقال من عدن إلى هرمز لا يُعد تصعيدًا عاديًا، بل تحوّلًا استراتيجيًا كبيرًا لن يحدث إلا إذا شعرت إيران أن وجودها أو دورها الإقليمي مهدد بشكل مباشر.
ثانيًا:
إذا اندلعت الحرب ،هل يمكن إيقافها؟
فالولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل تمتلك قدرات عسكرية ضخمة، لكن التجربة أثبتت أن القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على إنهائها.
وأي مواجهة مع إيران لن تكون حربًا تقليدية بين دولتين، بل صراعًا متعدد المسارات:
بحر مفتوح، صواريخ دقيقة، جبهات غير مركزية، ووكلاء إقليميون، وضغط اقتصادي عالمي.
هذا النوع من الحروب سهل الاشتعال، شديد التعقيد في الاحتواء، وشبه مستحيل في الحسم السريع.
ثالثًا:
القواعد الأمريكية في الخليج وبقاء مكلف جدا .
من المرجح أن تبقى القواعد الأمريكية في دول الخليج، لكنها في حال التصعيد ستتحول من رموز ردع إلى نقاط استنزاف سياسي وأمني.
وإن بقاء وجود هذه القواعد سيضع دول الخليج أمام معادلة دقيقة بين الشراكة الأمنية، والسيادة الوطنية، وضغط الرأي العام الداخلي.
وهنا يكمن القلق الأمريكي الحقيقي: ليس فقط الصواريخ، بل إعادة حسابات الحلفاء وشراكتهم ..
رابعًا:
:إسرائيل”… الجبهة الأكثر هشاشة .
فرغم التفوق العسكري والتكنولوجي، تبقى “إسرائيل “الطرف الأكثر حساسية في أي حرب إقليمية واسعة.
ففي حال التصعيد، قد نشهد تعطّل المطارات والموانئ، وضغطًا نفسيًا واجتماعيا غير مسبوق على الجبهة الداخلية، ونزوحًا داخليًا، وشللًا اقتصاديًا تدريجيًا، مع تعدد جبهات المواجهة.
فرغم أن إسرائيل تُجيد الضربات الخاطفة، لكنها لا تتحمّل الحروب الطويلة …
وعندما تنتقل المعركة إلى العمق تتوقف الحركة وتتعطل الحياة وتبدأ استغاثات الداخل مع صراخ ومناشدات الخارج .
خامسًا:
النفط… سلاح خلف السلاح وما بعده .
فأي تهديد حقيقي لمضيق هرمز سيُحدث صدمة فورية في أسواق الطاقة وارتفاع حاد في الأسعار، واضطراب في الإمدادات،
وأوروبا ستكون الأكثر تضررًا، بينما ستكون الولايات المتحدة أقل تأثرًا نسبيًا لكنها ليست بمنأى عن الارتدادات.
فالأسواق هنا لا تتحرك بالوقائع فقط، بل بالخوف والتوقعات، وغالبًا ما يسبق الانفجار النفسي الانفجار الميداني.
خاتمة القول :
من المستفيد إذا اندلعت الحرب؟
السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح بصدق، بعيدًا عن الخطاب التعبوي والدعائي، هو:
من المستفيد فعلًا إذا اندلعت الحرب؟
هل هو الشعب الأمريكي، الذي يعاني اليوم من أزمات معيشية خانقة في أكثر من عشر ولايات، من فقر وبطالة وتفكك اجتماعي، بينما تُستنزف موارده في حروب بعيدة لا تمس أمنه اليومي؟
أم هو الشعب اليهودي في فلسطين، الذي سيدفع ثمن أي حرب إقليمية من أمنه الداخلي واستقراره الاقتصادي، وسيتحوّل من مجتمع يبحث عن الأمان إلى جبهة داخلية مفتوحة على صواريخ واستنزاف طويل؟
أم هي شعوب المنطقة، التي لم تجنِ من الحروب المتتالية سوى الخراب، والتهجير، وتآكل الدول، وانسداد الأفق أمام أجيال كاملة؟
أم هو الشعب الإيراني، ؟
ثم ماذا عن أوروبا، التي ستجد نفسها عالقة بين مطرقة انفجار الشرق الأوسط، وسندان روسيا، في لحظة طاقة حرجة واقتصاد هش وقدرة محدودة على تحمّل صدمات جديدة؟
وماذا عن الصين، التي يعتمد جزء أساسي من أمنها الطاقي على النفط الإيراني والخليجي ..
وأي اضطراب واسع في الخليج ومضيق هرمز لا يهدد الشرق الأوسط فقط، بل يضرب قلب الاستقرار الآسيوي والعالمي.
__الحقيقة القاسية أن لا أحد من الشعوب تنتصر في الحروب الحديثة.
المنتصر الوحيد غالبًا هو تجار السلاح، واقتصاد الأزمات، ومنطق الفوضى الذي يزدهر حين تسقط الدول وتُستنزف المجتمعات.
أما الشعوب، فتبقى دائمًا الخاسر الأكبر، مهما تغيّرت الرايات والعناوين.
ولهذا، فإن الحرب – إن اندلعت – لن تكون حلًا لأزمات المنطقة،
بل انفجارًا شاملًا سيُسقط ما تبقى من مشاريع السلام، ويعيد العالم إلى منطق الصراع الصلب بدل السياسة.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة،
بل إلى شجاعة سياسية تمنع وقوعها.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل – متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والإقليمي
«صوت من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.»



