كتابنا

المجتمع المدني في العراق… حضور بلا تأثير

المجتمع المدني في العراق… حضور بلا تأثير

كتب :✍️ راهي حاتم

في العراق، يتكاثر الحديث عن المجتمع المدني كما تتكاثر شعارات الإصلاح في زمن الارتباك السياسي، لكن خلف هذا الضجيج تختبئ حقيقة مرة: مؤسسات المجتمع المدني حاضرة بالاسم، غائبة بالفعل.

فعلى الرغم من تعدد المنظمات والهيئات، إلا أن أثرها في الواقع العام يكاد لا يُرى. تحولت كثير من هذه المؤسسات إلى إطارات شكلية، تُنشأ بتمويل مؤقت أو لغرض الواجهة، بينما غابت عنها الرسالة الجوهرية المتمثلة في الدفاع عن الإنسان والحرية والمساءلة.
لقد جرى تفريغ المجتمع المدني من جوهره الرقابي، فأصبح أداة لتزيين المشهد السياسي بدلًا من أن يكون قوة توازنٍ تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع.

إن أغلب هذه المؤسسات، اليوم، تعيش في منطقة رمادية بين السلطة والناس. فهي لا تجرؤ على المواجهة، ولا تمتلك القدرة على الاستقلال. وقد أفرغها الخضوع الحزبي والتبعية المالية من مضمونها، لتتحول إلى ظلٍ بلا ملامح، تردد ما يُراد لها أن تقوله.

ولعل أولى خطوات الإنقاذ أن يُعاد الاعتراف بدور المجتمع المدني كأحد أعمدة الدولة الحديثة، لا كزينة تُعلَّق على جدار الخطاب السياسي.
ينبغي أن يُخصَّص له تمويل حقيقي ومستدام من خزينة الدولة، من الموازنات التي تُهدر هنا وهناك دون أثر، ليتمكن من بناء قدراته وتطوير أدواته، وليتحرر من الارتهان للتمويل الخارجي أو للجهات السياسية.
فلا يمكن لمجتمع مدني جائع أن يكون ضميرًا حرًا، ولا لمنظمة تسعى للبقاء أن تراقب من يتحكم بالبقاء ذاته.

إن ما يحتاجه العراق اليوم ليس اتساع عدد المنظمات، بل ولادة مجتمع مدني ناضج ومستقل، يؤمن بأن الإصلاح لا يتحقق بالتصفيق للسلطة، بل بامتلاك الشجاعة على مواجهتها حين تخطئ.
مجتمع يستعيد دوره الطبيعي في تشكيل الوعي الجمعي، ويعيد للمواطنة معناها الحقيقي بعيدًا عن الولاءات الضيقة.

فحين يصمت المجتمع المدني، يُصادر صوت الحرية، ويتحول الوطن إلى جدار يردد أصداء السلطة وحدها.
وإذا استمر هذا الصمت، فإن العراق لن يفقد مؤسساته فقط، بل سيفقد روحه المدنية التي تحفظ توازنه وكرامته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى