بينما تتابع الأنظار تفاصيل صفقة تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والجانب الإسرائيلي، تبرز تساؤلات مشروعة حول مستقبل المنطقة، وما إذا كانت الهدنة الراهنة مقدّمة لسلامٍ دائم أم مجرّد استراحة قبل جولة جديدة من الصراع. فالمشهد السياسي الراهن يشي بأن احتمالات عودة الحرب تبقى مرتفعة، استنادًا إلى سوابق تاريخية تؤكد أن إسرائيل لم تكن يومًا ملتزمة بمواثيقها، ولا تحترم عهودها إلا بقدر ما تخدم مصلحتها العسكرية والسياسية.
تاريخ الكيان الإسرائيلي حافل بالنقض والتلاعب بالاتفاقات، بدءًا من الهدن المؤقتة وصولًا إلى اتفاقيات السلام الجزئية. هذه السياسة الممنهجة تعكس رؤية استراتيجية تقوم على كسب الوقت وترتيب الأوراق، لا على بناء الثقة أو السعي إلى استقرار دائم. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة أداء دور “الضامن المعلن” لتلك الاتفاقات، بينما هي في الواقع شريك فاعل في صناعة الهيمنة الصهيونية على المنطقة، انسجامًا مع توجهات الدولة العميقة التي تتحكم بمسارات القرار الأمريكي وتوجهاته الخارجية.
على المستوى العربي، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. فالكثير من الأنظمة العربية الرسمية اختارت التماهي مع السياسات الغربية، متخليةً عن دورها التاريخي في دعم القضية الفلسطينية. ومن المؤسف أن تتحول بعض العواصم العربية إلى أختام تمرّر بها المصالح الإسرائيلية – الأمريكية تحت شعاراتٍ براقة تتحدث عن “السلام” و”الاستقرار”، بينما تُغفل تمامًا حقوق الشعوب وكرامتها. إن هذا الانصهار في المنظومة الغربية لم يأتِ نتيجة قناعة فكرية بقدر ما هو انعكاس لهيمنةٍ سياسية واقتصادية فرضت حدود الطاعة ومجالات الحركة.
قراءة في القادم /المشهد القادم لا ينبئ بانفراج قريب، بل بمرحلة أكثر احتدامًا. فاحتمال تجدد الحرب يبدو أقرب إلى القاعدة منه إلى الاستثناء، في ظل انعدام الثقة، واستمرار التمدد الإسرائيلي، وتنامي محور المقاومة الذي بات أكثر تماسكًا في الميدان والإرادة. الأشهر المقبلة قد تشهد إعادة رسمٍ لموازين القوى في المنطقة، خصوصًا مع تصاعد وعي الشعوب ورفضها المتزايد لأي تسوية تقوم على الخضوع لا على الكرامة.
ما بعد صفقة الأسرى ليس نهاية فصلٍ من الصراع، بل بدايته الحقيقية. فحين تنكسر الأقنعة وتتكشف النوايا، لا يبقى في الميدان إلا من يملك الثبات والإيمان بعدالة قضيته، لأن التاريخ لا يكتب بالتصريحات، بل بالدماء والمواقف.