الرئيس اللبناني حين يعيد تسمية الاتفاقات وحكومته في لبنان

الرئيس اللبناني حين يعيد تسمية الاتفاقات وحكومته في لبنان
كتب✍️ :راهي الحاتم
في مشهد سياسي يثير السخرية بقدر ما يثير القلق، يخرج الرئيس اللبناني ليعلن وقف إطلاق النار وكأنه إنجاز وطني كبير، بينما تكشف القراءة الواقعية أن ما جرى لا يعدو كونه حلقة جديدة في مسلسل إعادة تشكيل القرار اللبناني وفق إرادات خارجية، تتصدرها الولايات المتحدة وإسرائيل، بغطاء إقليمي واضح تقوده السعودية.
الخطاب الرسمي الذي يحاول تسويق ما حدث على أنه “نصر” يعكس أزمة عميقة في بنية السلطة، التي باتت تعتمد على اللغة كوسيلة لتزييف الواقع، لا لشرحه. فالنصر لا يُقاس بالتصريحات، بل بميزان القوة على الأرض، وبمدى استقلال القرار الوطني. وهنا تحديدًا تتكشف المفارقة: قرار لا يُصنع في الداخل، بل يُملى من الخارج، ثم يُقدَّم للشعب كإنجاز سيادي.
ما يجري في لبنان اليوم يتجاوز مجرد وقف إطلاق نار؛ إنه جزء من مشروع أوسع يهدف إلى إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، عبر تقليص دور حزب الله، الذي يشكّل التحدي الأبرز أمام الرؤية الأمنية لكل من واشنطن وتل أبيب. ومن هذا المنطلق، يصبح أي “هدوء” مفروض ليس سوى خطوة تكتيكية ضمن مسار استراتيجي يهدف إلى تفكيك عناصر القوة التي لا تنسجم مع هذا المشروع.
في المقابل، تبقى إيران حاضرة في خلفية المشهد، ليس كطرف مباشر في هذا الإعلان، بل كهدف أساسي لكل هذه الترتيبات. فلبنان، في حسابات الصراع الإقليمي، ليس سوى ساحة ضغط تُستخدم لإيصال رسائل أكبر، تتعلق بإعادة ضبط النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو التحول في وظيفة الخطاب السياسي الداخلي من التعبير عن الإرادة الوطنية إلى تبرير الانخراط في مشاريع الخارج. حين تصبح الهزيمة “نصرًا”، والتبعية “سيادة”، فإننا لا نكون أمام أزمة سياسية فحسب، بل أمام أزمة وعي تُدار بعناية لإقناع الشعوب بواقع يناقض الحقائق.
إن ما نشهده اليوم ليس تسوية بقدر ما هو إعادة تعريف لدور لبنان: من بلد يمتلك – ولو جزئيًا – قرار المواجهة، إلى ساحة تُدار وفق توازنات تُفرض من الخارج. وفي هذا التحول، لا تضيع فقط معايير النصر والهزيمة، بل تضيع معها هوية القرار الوطني نفسه.
بين خطاب يعلن “الانتصار”، وواقع يشي بعكس ذلك، يقف لبنان أمام لحظة مكاشفة حقيقية: إما الاعتراف بحجم الضغوط وإدارة التوازنات بوضوح، أو الاستمرار في بيع الأوهام عبر لغة لم تعد تقنع أحدًا.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى.
وما يُكتب اليوم على أنه “إنجاز”… قد يُقرأ غدًا باعتباره تنازلًا مكلفًا.



