يولد الأبطال من رحم الثورات، لا من دين ولا من عرق ولا من نوع، بل من وهج الدماء حين تسقي الأرض لتقول إن الحرية قدر لا يلغيه مستعمر، ولا يوقفه طاغية.
في كل أرضٍ دنّسها الاحتلال، نهض رجال ونساء صنعوا التاريخ. في الجزائر صرخ الأمير عبد القادر، وفي ليبيا سطر عمر المختار ملاحم العزة، وفي المغرب دوّى صوت محمد عبد الكريم الخطابي، وعلى أرض فلسطين ارتفع اسم عز الدين القسام ومن بعده جموع الشهداء الذين جعلوا من دمائهم زيتًا لمصابيح الأمة.
وعلى ضفاف دجلة والفرات، انتفض العراق ضد المستعمر البريطاني، فاشتعلت ثورة العشرين، حيث دوّى صوت الفلاحين وعلماء الدين ورجال العشائر، ليكتب الشيخ ضاري، وجعفر أبو التمن، وسواهم من الأبطال، أن العراق لا يركع إلا لله. ومن هناك امتدّت رايات المقاومة لتظل بغداد والنجف وكربلاء رموزًا للعزّة والرفض.
ومن وراء المحيطات، ترك “تشي غيفارا” دفء بلاده ليقاتل في أدغال العالم، مؤكدًا أن الثورة لا تعترف بحدود، وأن المستعمر أينما كان فعدوّه هو الحرية.
وفي عصرنا القريب، أضاءت رايات المقاومة من جنوب لبنان، حيث صار السيد حسن نصرالله شهيدًا حيًّا في ذاكرة الأمة، يدوّي صوته أن إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت. وفي غزة، ينهض الأبطال كل يوم من تحت الركام، يحملون على أكتافهم وصايا الشهداء، ليعلّموا العالم أن الحصار لا يقتل، بل يصنع أجيالًا من المقاومين.
لكن في المقابل، سقطت أقنعة الخيانة. في الرياض وأبوظبي والمنامة، جلس حكام الخليج على موائد التطبيع، صافحوا العدو، وتاجروا بالدم الفلسطيني، وفتحوا أبواب العواصم للصهيوني ليطعن الأمة في قلبها. خانوا القدس كما خانوا العراق وسوريا واليمن، وظنوا أن قصورهم تحميهم من لعنات الشعوب. لكن التاريخ لا يرحم، والذاكرة لا تغفر، والدم لا يساوم.
الأبطال يولدون من رحم الثورات، والخونة يولدون من رحم العمالة. الأبطال يكتبون المجد بالدم، والخونة يكتبون العار بالذهب المسموم. وبين الدم النقي والدينار الملوّث، يظل التاريخ شاهدًا أن هذه الأمة لا يحفظ كرامتها إلا المقاومون، ولا يضيّعها إلا العملاء.