عندما يفقد الإعلام السعودي والكويتي بوصلته

عندما يفقد الإعلام السعودي والكويتي بوصلته
✍️ كتب: راهي الحاتم
في زمنٍ تتصارع فيه الروايات قبل الوقائع، لم يعد الإعلام لدى بعض المؤسسات مجرد ناقلٍ للخبر، بل أصبح في أحيان كثيرة جزءاً من أدوات الصراع السياسي، يُكيّف العناوين بما يخدم أجنداتٍ مسبقة، ويختار من الحقائق ما ينسجم مع الموقف السياسي، ويُسقط ما عداه. ومن هنا، فإن المتابع لا يحتاج إلى كثير من الجهد ليلمس أن جانباً من الإعلام السعودي والكويتي يتعامل مع العراق بمنطق الخصومة لا بمنطق المهنية.
فكلما خطا العراق خطوة نحو استعادة دوره، أو طرح موقفاً يتعلق بحقوقه وسيادته، انطلقت حملات من التحليلات والبرامج والتقارير التي تُقدّم الرواية العراقية بوصفها موضع شك، بينما تُمنح الروايات المقابلة مساحة واسعة من الترويج، وكأن المطلوب ليس البحث عن الحقيقة، بل تشكيل رأي عام يتبنى حكماً سياسياً مسبقاً.
إن النقد حق مشروع، بل هو ضرورة لأي إعلام مسؤول، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح النقد انتقائياً، ويغيب عنه الميزان الواحد. فالمهنية تقتضي إخضاع الجميع للمعايير نفسها، لا أن تتحول إلى أداة تُستخدم ضد طرف، بينما تُغض الطرف عن أخطاء طرف آخر.
والعراق ليس دولة تبحث عن شهادة في التاريخ؛ فهو بلدٌ صاغ صفحاتٍ من الحضارة الإنسانية قبل أن تنشأ دولٌ حديثة كثيرة في المنطقة. لذلك فإن محاولات اختزال العراق في أزماته، أو تصويره بوصفه مصدر تهديد دائم، ليست قراءة موضوعية للواقع، بل خطاب سياسي يُلبس نفسه ثوب الإعلام.
إن المطلوب اليوم ليس إعلاماً يصنع الأعداء، بل إعلاماً يواجه الوقائع بشجاعة، ويبتعد عن التحريض والاستقطاب. فاستقرار العراق ليس قضية عراقية فحسب، بل ركيزة من ركائز استقرار الخليج والمنطقة بأسرها، وأي خطاب إعلامي يسهم في تعميق الانقسام لن يحصد في النهاية إلا مزيداً من التوتر.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على كل مؤسسة إعلامية: هل رسالتها خدمة الحقيقة، أم خدمة السياسة؟ وهل تُقاس المهنية بقدرتها على نقل الوقائع كما هي، أم بقدرتها على إعادة تشكيلها بما ينسجم مع المصالح؟
إن الإعلام الذي يضع الحقيقة فوق الحسابات السياسية هو وحده القادر على كسب احترام الجمهور. أما الإعلام الذي يجعل من الخصومة منهجاً، فإنه قد ينجح في صناعة ضجيجٍ مؤقت، لكنه لن ينجح في تغيير حقائق التاريخ أو مكانة العراق في الوعي العربي والإسلامي.
العراق سيبقى، كما كان عبر آلاف السنين، بلداً يصنع الأحداث أكثر مما يتأثر بالروايات التي تُكتب عنه. أما الحملات الإعلامية، فإنها مهما اشتدت، تبقى عابرة، بينما تبقى الأوطان راسخة بتاريخها وشعوبها وإرثها الحضاري.



