
حين تقودنا الحمير إلى الهاوية.. قراءة في «نحن والحمير في المنعطف الأخير»..
✍️ :فريق تحرير الوسق
حين يصبح الاعتياد أقوى من العقل.. قراءة في «نحن والحمير في المنعطف الأخير».. حين يصبح الاعتياد أقوى من العقل
هناك كتبٌ لا تنتهي أسئلتها عند آخر صفحة، بل تبدأ رحلتها الحقيقية في أعماق الفكر بعد أن نُغلق الغلاف. ومن هذه الأعمال القيّمة، كتاب «نحن والحمير في المنعطف الأخير» للأديب اليمني محمد مصطفى العمراني؛ عنوانٌ يبدو للوهلة الأولى ساخراً خفيفاً، لكنه يخفي وراء بساطته وجعاً إنسانياً عميقاً، ورمزاً يلامس شغلة واقعنا بكل صدق وموضوعية.
لا يتحدث الكتاب، بما يضمه من قصص واقعية مكثفة، عن الحمير بقدر ما يتحدث عن الإنسان؛ ذلك الكائن الذي قد يعرف تماماً أين يكمن الطريق الصحيح والأمن، ومع ذلك يواصل سيره في مسارات الخطر، لا لشيء إلا لأن غيره سلكها من قبل، ولأن العادة قد تحولت إلى تقليد أعمى يُورّث جيلاً بعد جيل. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: قد لا تكون خطيئتنا أننا نجهل الصواب، بل إننا ألفنا الخطأ حتى أصبح في نظرنا هو الحق الطبيعي الذي لا رجوع عنه.
حكاية قرية تُختصر فيها واقع أمم
تروي إحدى القصص المؤثرة معاناة امرأة تقطع مسافات شاقة كل يوم، تحمل فيها الماء على ظهر دابتها، وتسلك طريقاً شديد الخطورة يشرف على وادٍ سحيق؛ لقد شهد هذا الطريق سقوط ضحايا وفقدان أرواح، ومع ذلك ظل أهل القرية يسيرون فيه دون تردد.
وعندما عاد الكاتب إلى قريته بعد أن أتم دراسته الجامعية، طرح سؤالاً بديهياً على وجهائها وعقلائها: «لماذا لا نعمد إلى شقّ طريق آخر أكثر أماناً وسلامة؟». كان السؤال بسيطاً، والحلّ في متناول اليد، غير أن الجواب الذي تلقاه كان أبلغ وأقسى من كل توقع: «نحن نمشي وراء الحمير، وهي التي تقودنا إلى ذلك المنعطف».
تلك الكلمات البسيطة، إذا ما أُمعنّا النظر فيها خارج سياقها القروي، تكشف لنا عن مرآة صافية تعكس واقعنا بأكمله. فكم من قرارات نتمسك بها لا لإيماننا بصوابها، بل لأنها أصبحت عادة موروثة؟ وكم من مسارات نعرف يقيناً أنها تقود إلى الهلاك، ومع ذلك نصرّ على المضي فيها لأن «الجميع يسيرون هكذا»؟
المأساة ليست في الحمار.. بل في من سلّمه زمام القرار
إن الدابة لا تملك رؤية استراتيجية، ولا خطة مستقبلية، ولا مشروعاً نهضوياً؛ هي تسير حيث اعتادت، وتسير حيث تُقاد. أما المأساة الحقيقية فتبدأ حين يتنازل الإنسان عن عقله، فيتحول هو نفسه إلى تابع لعاداته وشعاراته، أو لمن اعتاد السير خلفهم دون أن يطرح سؤالاً واحداً: «إلى أين نحن ذاهبون؟».
هنا تخرج القصة من حدود قرية يمنية لتكون صورة مكبرة لواقع كثير من مجتمعاتنا، حيث تتبدل الوجوه وتتغير الشعارات، بينما يبقى المسار نفسه، وتتكرر الأخطاء ذاتها. نصل مراراً وتكراراً إلى ذلك المنعطف الخطير، نرى الهاوية تتربص بنا، نحذر ونتحذر، ثم نعود في اليوم التالي لنسلك الطريق نفسه وكأن شيئاً لم يكن.
حين يُصبح الخطأ ثقافة راسخة
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الجهل وحده، بل التعايش مع الجهل حتى يُنظر إليه على أنه أمر مسلّم به. وأخطر من الفقر أن يألف المرء الفقر ويظنه قدراً لا مفرّ منه. وأخطر من الفساد أن يتحول الفساد إلى معيار طبيعي، فيتغير السؤال من «لماذا أخذ؟» ليصبح «كم أخذ؟». وأخطر من الفشل أن يُعطّل الفكر عن البحث في الأسباب، ونكتفي باختلاق الأعذار وتبرير الإخفاقات.
وعندما تصل الأمم إلى تلك الحالة، لا يعود أحدٌ في حاجة إلى دفعها نحو الهاوية؛ فهي تسير إليها بخطاها واختيارها. وهنا تكمن عبقرية الرمز في حكاية العمراني: إن الدواب لا تقودنا لأنها أقوى منا، بل لأننا نختار طوعاً أن نضع زمام أمرنا في أيديها، ونخلّي عن عقولنا وقدرتنا على الاختيار.
في السياسة.. من يختار لنا الطريق؟
إذا ما نقلنا هذه المعادلة إلى فضائنا العام، اتسعت دلالات السؤال وتزايدت إلحاحاً: من الذي يرسم لنا المسارات؟ هل نحن من يقرر مستقبلنا بناءً على مصالحنا الحقيقية ومصالح أجيالنا القادمة، أم نمشي على خطى ما اعتدنا عليه تقليداً أعمى؟ هل نقيّم أداء المسؤولين والمؤسسات بما يُحققونه من إنجازات وخدمات، أم بما يُلقونه في مسامعنا من أقوال وشعارات؟ وهل نحاسب من يفشل في أداء الأمانة، أم نكتفي بتبديل الوجوه ونعيد إنتاج التجربة الفاشلة ذاتها؟
إن الشعوب التي تتخلى عن حقّها في التساؤل والمراقبة والمحاسبة، تُفقد تدريجياً سيطرتها على قرارها، وتصبح سهلة القيادة والتوجيه. ليس لأنها عاجزة، بل لأنها خسرت سلاحها الأقوى: الوعي. والوعي لا يعني رفض كل شيء، ولا يعني قبول كل شيء؛ بل هو القدرة على التمييز الواضح بين ما يؤيده الدليل وما يُعارضه، فلا نقبل باطلاً ولو قاله الملأ، ولا نرفض حقاً ولو قالته الأقلية.
حين يُصبح التصفيق بديلاً عن التفكير
إن أبرز أزمات واقعنا المعاصر أن كثيراً منا لم يعد يبالي بصواب الفكرة من خطئها، بل بمن قالها؛ فإن صدرت عمن نحب ونهوى، فهي الحق المبين، وإن صدرت عمن ننابذه، فهي الزور بعينه. وهكذا تتحول المعارك الفكرية إلى صراعات انتماءات، ويغيب جوهر الحقيقة خلف غبار الخصومة، وينحرف بوصلة الحوار ليصبح سباقاً في «من يملك الحقيقة» بدلاً من البحث عن الحقيقة نفسها. وعندما يُسجّ العقل أسيراً للانتماء والمشاعر، تُشرع الأبواب على مصراعيه لدخول ذلك المنعطف الخطير الذي لا عودة منه بسهولة.
بين طوفان المعلومات.. وغياب الوعي
لقد تقدم بنا العصر، وتطورت وسائل المعرفة؛ فبضغطة زر يصل المرء إلى ما كان يُستحيل تحصيله في سنوات مضت. لكن امتلاك المعلومات لا يعني أبداً امتلاك الوعي. فكثيرون يحيط بهم طوفان الأخبار، ولا يملكون أدنى قدرة على تمييز الخبر الصادق من الدعاية المضللة. ويقرأون المقالات ويتابعون التحليلات، ولا يستطيعون التمييز بين ما يُقدّم لهم حجة راجحة وما يُساق لهم لتوجيههم. ولذا فإن معركة هذا العصر ليست ضد نقص المعرفة، بل ضد عجز التفكير في خضم هذا الزخم الهائل مما يُبث ويُنشر.
الأجيال القادمة.. بين وراثة الطريق ورسم المسار
إن السؤال الأخطر الذي تتركه لنا هذه الحكاية هو ذاك المتعلق بمستقبلنا ومستقبل أبنائنا: هل سنورّثهم الأخطاء نفسها ونقول لهم «هكذا وجدنا طريقنا وهكذا سنسلكه»؟ أم سنعلمهم أن يطرحوا الأسئلة التي تقاعسنا نحن عن طرحها؟
ليس عيباً أن يسير الابن على خطى أبيه، إنما العيب كل العيب أن يسير في الطريق دون أن يسأل: «إلى أين يفضي هذا الطريق؟». فالأمم لا تنهض بتسريع الخطى في مسارات قديمة انتهت إلى مسدود، بل بشجاعة تغيير المسار حين يتضح أن السير فيه ضرب من الانتحار الجماعي.
المنعطف الأخير.. لحظة قرار لا مجرد مكان مروري
إن «المنعطف الأخير» في رؤية العمراني ليس مجرد بقعة جغرافية يمر بها الناس؛ بل هو رمز لتلك اللحظة الفارقة التي يصبح فيها التردد والصمت والقبول بالأمر الواقع قراراً بحد ذاته. ولطالما علّمنا التاريخ أن الشعوب التي لا تختار طريقها بنفسها، سيفرض عليها آخرون طريقهم فرضاً، وسيقودونها حيث يشاءون لا حيث تشاء هي.
لهذا فإن سؤالنا الحقيقي لا ينبغي أن يكون «من الذي يقودنا؟» بل «لماذا سمحنا له بأن يقودنا؟». وليس «لماذا وصلنا إلى شفا الهاوية؟» بل «في أي لحظة رأينا الخطر واضحاً أمامنا ثم آثرنا الصمت ومضينا قُدُماً؟».
انزلوا من ظهر الدواب.. فالطريق يحتاج إلى عقولكم
إن أعمق ما تتركه لنا هذه الحكاية في الختام رسالة واضحة لا لبس فيها: لا تجعل العادة بديلاً عن العقل، ولا الخوف بديلاً عن القرار، ولا الصوت الصاخب بديلاً عن الضمير، ولا الأشخاص بديلاً عن المؤسسات والقوانين. فمن يُسلّم زمام أمره لغيره، سيصل حتماً إلى حيث يُراد له لا حيث يريد هو.
إن الانحراف عن مسار الهاوية لا يتطلب دائماً ثورات عاتية، بل قد يبدأ بسؤال بسيط: «ألا يوجد طريق آخر أفضل؟». وقد يبدأ بكلمة «لا» حين يُطلب منك السير في طريق الخطأ. وقد يبدأ بشابٍ يأبى أن يكرر خطأ من سبقه. وقد يبدأ ببيتٍ يُعلّم أبناءه التفكير قبل التقليد، ومدرسة تُعلّم التساؤل قبل الحفظ، وإعلامٍ يُؤثر البحث عن الحقيقة على إثارة الرأي العام، ومجتمعٍ يُحاسب المسؤول قبل أن يُصفّق له.
تذكّروا دائماً: الهاوية لا تبدأ حين السقوط منها، بل تبدأ حين تراها ماثلة أمامك ثم تُقرّر المضي قدماً نحوها.
بهذا المعنى، تتحول قصة العمراني من حكاية قرية ودابة ومنحدر، إلى دعوة صريحة ومباشرة لكل واحدٍ منا: أأنت من يختار طريقك بنفسك؟ أم أنك ما تزال تسير وراء الحمير.



