النظام السابق الساقط… لم يقتل السوريين فقط، بل قتل سورية في الإنسان والمجتمع

كتب / سعيد فارس السعيد
لم يكن سقوط النظام السابق نهاية مرحلة سياسية فحسب، بل كان سقوطًا لمنظومةٍ طويلة من الاستبداد والفساد وتهميش الإنسان، منظومةٍ دفعت سورية والسوريين أثمانًا باهظة من الدم والدمار والخوف والحرمان.
فالنظام السابق لم يقتل السوريين بالقصف والرصاص والاعتقال وحدها، بل مارس شكلًا أعمق من القتل؛ قتل الطفولة، وقتل الحلم، وقتل الأمل، وقتل الثقة، وقتل معنى الوطن في نفوس أجيال كاملة.
حين تُقصف القرى والبلدات والمدن، لا تُهدم البيوت وحدها، بل تُهدم معها ذاكرة الأطفال، وأحلام العائلات، ومدارسهم، ومستقبلهم، وشعورهم بالأمان.
وحين يعيش الطفل سنواته الأولى وسط الخوف، فإنه لا يخسر طفولته فقط، بل يحمل آثارها معه إلى شبابه ومستقبله.
وهكذا تحولت المأساة من مأساة أفراد إلى مأساة أجيال.
فالاستبداد لا يحمي الدولة. بل يستهلكها.
إن أخطر ما فعله النظام السابق لم يكن فقط احتكار السلطة، وإنما تحويل الدولة تدريجيًا من مؤسسة لخدمة المواطن إلى أداة لحماية السلطة ومصالح المتنفذين.
ومع انتشار الفساد والمحسوبيات وتغليب الولاء على الكفاءة، تراجعت قيمة القانون، وتآكلت الثقة بالمؤسسات، وأصبح المواطن يشعر بأن حقوقه ليست حقًا طبيعيًا، بل امتيازًا يمكن منحه أو حجبه.
وهنا تبدأ الدولة بفقدان أهم عناصر قوتها:
ثقة المواطن.
فالدولة التي يخاف منها المواطن ليست دولة قوية، والدولة التي لا يثق بها مواطنوها لا تستطيع أن تبني مستقبلًا مستقرًا مهما امتلكت من مؤسسات وأجهزة.
قتل الأحلام جريمة لا تُرى في صور الدمار.
هناك جرائم يمكن رؤيتها في صور المدن المدمرة، وهناك جرائم أخرى لا تظهر أمام الكاميرات.
منها شاب كان يحلم بمستقبل أفضل، فوجد نفسه بلا فرصة.
وطالب كان يحلم بالعلم، فأصبح همه النجاة.
وطفل كان يريد أن يعيش طفولته، فأصبح يعرف معنى الخوف قبل أن يعرف معنى الحلم.
وأسرة كانت تريد أن تبني بيتًا وحياة مستقرة، فإذا بها تبحث عن الأمان.
هذه هي الجريمة الصامتة للاستبداد؛
(أن تقتل المستقبل قبل أن يولد.)
الأخطر تفكيك المجتمع.
لكن أخطر ما يمكن أن يتركه نظام مستبد وراءه ليس الخراب العمراني وحده، بل الخراب الذي يصيب العلاقات بين أبناء الوطن الواحد.
فالاستبداد، حين يستمر طويلًا، لا يكتفي بإضعاف المؤسسات، بل يستطيع أن يخلق بيئة من الشك والخوف والانقسام، وأن يجعل السوري ينظر إلى أخيه السوري أحيانًا باعتباره خصمًا قبل أن يراه شريكًا في الوطن.
وهنا تبدأ بذور الفتنة بالإنبات.
فتنةٌ طائفية، ومناطقية،
واجتماعية، وسياسية،
وثقافية.
وما كان يجمع السوريين لعقود يصبح مهددًا أمام خطاب الكراهية والتحريض والانتقام.
وهذه أخطر تركة يمكن أن يتركها الاستبداد؛ لأن إعادة إعمار الحجر تحتاج إلى المال والوقت، أما إعادة إعمار الإنسان وإعادة بناء الثقة الوطنية فتحتاج إلى أجيال.
إن سورية لا تحتاج إلى استبداد جديد
ولهذا فإن سقوط النظام السابق يجب ألا يعني فقط تغيير السلطة، بل يجب أن يعني تغيير الثقافة السياسية التي سمحت بالاستبداد.
فلا يمكن بناء سورية جديدة بعقلية الماضي.
ولا يمكن مواجهة الظلم بظلم جديد.
ولا يمكن معالجة الفتنة بمزيد من الفتنة.
ولا يمكن بناء الدولة على قاعدة الانتقام الجماعي أو الإقصاء أو التشفي.
___المطلوب هو دولةٌ يكون فيها القانون فوق الجميع، والكرامة حقًا لكل مواطن، والعدالة أساسًا للحكم، والمؤسسات ملكًا للشعب لا للأفراد.
العدالة لا الانتقام
السوريون يحتاجون إلى العدالة، لكن العدالة شيء والانتقام شيء آخر.
فالعدالة تعني محاسبة من ارتكب الجرائم، أياً كان موقعه وانتماؤه.
وتعني كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، واستعادة حقوق المظلومين، ومحاسبة الفاسدين، ومنع الإفلات من العقاب.
لكنها في الوقت نفسه تعني عدم تحويل الجريمة إلى ذريعة لجريمة جديدة، وعدم تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد، وعدم إعادة إنتاج منطق الإقصاء الذي عانى منه السوريون.
فالعدالة التي لا تبني المستقبل تبقى ناقصة، والمصالحة التي لا تقوم على الحقيقة والحقوق تتحول إلى تأجيل للأزمة.
إعادة بناء الإنسان قبل الحجر
سورية تحتاج إلى إعادة إعمار المدن، نعم.
لكنها تحتاج قبل ذلك إلى إعادة إعمار الإنسان.
وتحتاج إلى إعادة الأمل إلى الطفل.
والثقة إلى الشباب.
والكرامة إلى المواطن.
والعدالة إلى الضحية.
والقانون إلى مؤسسات الدولة.
والثقة بين أبناء المجتمع.
وتحتاج إلى أن يشعر كل سوري بأن سورية وطنه، وأن مستقبله فيها، وأن كرامته مصونة فيها، وأن لا أحد يستطيع أن يسلبه حقوقه بسبب انتمائه أو منطقته أو طائفته أو موقفه السياسي.
___إن سورية الجديدة التي نحلم بها لا ينبغي أن تكون مجرد سورية بلا النظام السابق، بل سورية بلا الاستبداد نفسه.
سورية لا يُقتل فيها الطفل بسبب الحرب، ولا يُقتل فيها الحلم بسبب الفقر، ولا تُقتل فيها الكرامة بسبب السلطة، ولا تُقتل فيها الحقيقة بسبب الخوف.
لقد سقط نظام.
لكن المهمة الأكبر هي أن تسقط معه ثقافة الخوف والاستبداد والفساد والكراهية.
وأن تولد مكانها دولةٌ سورية جديدة، يكون الإنسان فيها هو القيمة الأولى، والوطن هو المظلة التي تجمع الجميع، والقانون هو الحكم، والعدالة هي الطريق، والسلام المجتمعي هو الهدف.
فمن حق السوريين بعد كل ما عاشوه أن ينتقلوا من زمن الخوف إلى زمن الأمل، ومن زمن القهر إلى زمن الكرامة،
ومن زمن الانقسام إلى زمن الدولة والوحدة الوطنية.
سورية لا تحتاج إلى من ينتقم لها من الماضي؛
بل تحتاج إلى من يبني لها المستقبل.
سعيد فارس السعيد
كاتب وباحث استراتيجي مستقل
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام.



