كتابنا

آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم سيرة علم ومسيرة إنسانية امتدت بعد الرحيل.

كتب: سعيد فارس السعيد:

 

في الثالث من أيلول عام 2021، غاب عن عالمنا في النجف الأشرف فقيه جليل وعالم من كبار فقهاء أهل البيت عليهم السلام، ومرجع ديني كبير، آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم (رضوان الله عليه)، بعد مسيرة علمية وفكرية وإنسانية حافلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود.

لم يكن رحيل السيد الحكيم رحيل عالم وفقيه فحسب، بل كان رحيل شخصية تركت وراءها مدرسة في العلم والتقوى والاستقامة وخدمة الإنسان، وهو ما جعل ذكراه حاضرة في وجدان الحوزة العلمية وأتباع أهل البيت عليهم السلام ومحبي العلم والمرجعية.

من بيت العلم إلى رحاب المرجعية

ينتمي آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم إلى أسرة آل الحكيم العلمية العريقة، وهو نجل المرجع الكبير آية الله العظمى السيد محسن الحكيم (قدس سره)، وينتهي نسب الأسرة إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

ولد السيد محمد سعيد الحكيم في النجف الأشرف سنة 1354هـ، ونشأ في كنف أسرة عُرفت بالعلم والمرجعية والتقوى، وكان لوالده وجده أثر بارز في تكوينه العلمي والروحي.

وقد بدأ رحلته العلمية مبكرًا، ونهل من علوم كبار علماء الحوزة في النجف الأشرف، وفي مقدمتهم والده، وجده، وآية الله العظمى الشيخ حسين الحلي، وآية الله العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (رضوان الله عليهم).

وكان للشيخ حسين الحلي أثر بارز في تكوينه العلمي، كما استفاد من كبار أعلام النجف الذين عاصرهم، حتى تدرج في مراتب العلم والبحث والتدريس، وأصبح واحدًا من أعلام المدرسة الفقهية والأصولية في النجف الأشرف.

التدريس والتأليف…

علم يتحول إلى مدرسة

بعد أن أتم مراحل دراسته الحوزوية، انصرف السيد محمد سعيد الحكيم إلى التدريس والبحث والتأليف، وبدأ تدريس البحث الخارج في علم الأصول سنة 1388هـ، ثم في الفقه سنة 1390هـ.

وتخرج على يديه عدد كبير من العلماء والفضلاء، الذين أصبحوا من أساتذة الحوزات العلمية في النجف وقم ولبنان وسورية وغيرها.

وبذلك لم يكن عطاؤه العلمي محصورًا في كتبه وأبحاثه، بل امتد من خلال تلامذته والأجيال العلمية التي تربت في مدرسته.

وترك السيد الحكيم تراثًا علميًا واسعًا، من أبرز مؤلفاته منهاج الصالحين، ومناسك الحج والعمرة، والمحكم في أصول الفقه في ستة مجلدات، إلى جانب الحواشي والتقريرات والبحوث الموسعة في الفقه والأصول، والرسائل الموجهة إلى المغتربين والمبلغين وطلاب الحوزة العلمية.

وهكذا جمع بين العلم والتدريس والتأليف والتربية؛ فكان عالمًا ينتج المعرفة، وأستاذًا يصنع العلماء، ومرجعًا يحمل مسؤولية الدين والمجتمع.

المرجعية…

أمانة لا امتياز

بعد رحيل آية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره)، تزايد رجوع المؤمنين والفضلاء إلى السيد محمد سعيد الحكيم، وأُلِحّ عليه في التصدي للمرجعية، فتحمل هذه المسؤولية في مرحلة دقيقة وحساسة.

وسعى إلى تفعيل دور المرجعية الدينية الأصيلة وتعزيز العلاقة بين الأمة والحوزة، والتأكيد على الثوابت العقائدية والفقهية والسلوكية، والتمسك بما ورثه العلماء من القرآن الكريم والسنة وأهل البيت عليهم السلام، مع التأكيد على ضرورة الصمود أمام الفتن والمحن.

وكانت رؤيته للمرجعية تتجاوز حدود المقام العلمي، لتجعل منها أمانة ومسؤولية في هداية الإنسان، وحفظ المجتمع، وصيانة القيم.

وهنا تتضح إحدى أهم سمات مدرسة السيد الحكيم:

العلم ليس غاية بذاته، والمرجعية ليست امتيازًا، وإنما مسؤولية دينية وأخلاقية، يكون معيارها الحقيقي مقدار ما تقدمه للناس من هداية ورعاية وخدمة.

المرجعية وبناء الإنسان

إن المرجعية الدينية لا تُقاس فقط بمكانتها العلمية والفقهية، ولا بما تحمله من حضور ديني، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الإنسان، وما تغرسه من قيم الرحمة والعطاء وحفظ الكرامة الإنسانية.

ومن هذه الزاوية، كان السيد محمد سعيد الحكيم نموذجًا لمرجعية جمعت بين العلم والتقوى والاستقامة والإنسانية.

فلم يكن عالمًا وفقيهًا فحسب، بل كان يحمل تصورًا للمرجعية يجعل الإنسان محورًا أساسيًا في المسؤولية الدينية.

فالإنسان يحتاج إلى العلم والهداية، كما يحتاج إلى الرعاية والرحمة والوقوف إلى جانبه في أوقات الشدة.

ومن هنا يصبح بناء الإنسان جزءًا من بناء المجتمع، وتصبح خدمة الناس امتدادًا طبيعيًا للعلم، لا عملًا منفصلًا عنه.

والرسالة لا تنتهي برحيل صاحبها

لقد أثبتت السنوات التي أعقبت رحيله أن الرسالة التي حملها السيد محمد سعيد الحكيم لم تكن مرتبطة بشخصه وحده، بل أصبحت نهجًا ومدرسة وأمانة مستمرة، حملها أبناؤه السادة الأفاضل، وأشقاؤه، ووكلاؤه وممثلو مكاتبه ومحبو مدرسته في العراق وسورية ولبنان وغيرها.

وفي زمن تتعاظم فيه التحديات الإنسانية والاجتماعية، وتتسع فيه معاناة الناس بفعل الحروب والنزوح والأزمات الاقتصادية، تبرز أهمية استمرار المؤسسات والجهات الإنسانية التي تجعل من الرحمة والتكافل وخدمة الإنسان جوهرًا لرسالتها.

ومن بين النماذج التي تستحق التقدير، تتواصل أعمال مؤسسة المرجع الكبير الراحل آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله عليه) في لبنان وخارجه، من خلال رعاية العائلات المحتاجة والنازحين، وتقديم أشكال متعددة من الدعم الغذائي والطبي والعيني والنقدي.

وتشير التقارير والبيانات المنشورة إلى حجم واسع من المساعدات والخدمات الإنسانية التي قُدمت خلال الأشهر الماضية، بما يعكس حضورًا ميدانيًا في متابعة أوضاع الناس، ولا سيما أولئك الذين أثقلت الأزمات كاهلهم.

لكن الأهم من حجم المساعدات وأعداد المستفيدين هو المعنى الذي تقف خلفه هذه الأعمال.

فالمتابع لمسيرة أبناء المرجع الراحل السيد محمد سعيد الحكيم يلمس أن الاهتمام بالناس لم يتوقف برحيل والدهم، بل استمر من خلال العمل والمتابعة والرعاية، بما يعكس حملهم للأمانة التي تركها، وحرصهم على صيانة النهج الذي تربوا عليه في مدرسة العلم والتقوى وخدمة الإنسان.

لقد أدركوا أن المرجعية الدينية لا تتمثل في المقام العلمي وحده، وإنما تحمل معها مسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع؛ وأن من أصدق صور الوفاء للوالد الراحل أن تستمر الرسالة التي آمن بها، وأن يبقى الإنسان حاضرًا في مقدمة الاهتمام.

حملوا الأمانة وصانوا النهج

فالوفاء للعالم لا يكون بإحياء ذكراه في المناسبات فقط، ولا بكثرة الحديث عن سيرته، وإنما يكون أيضًا بتحويل ما علّمنا إياه إلى ممارسة وسلوك.

حملوا الأمانة، وصانوا النهج، وجعلوا من خدمة الإنسان إحدى صور الوفاء لمن علّمهم أن العلم مسؤولية، وأن المرجعية أمانة، وأن كرامة الإنسان لا يجوز أن تكون موضعًا للتهاون.

وما نشهده من نشاطات إغاثية ومبادرات خيرية ورعاية اجتماعية هو، في هذا المعنى، امتداد عملي لقيم تربوا عليها، واستمرار لنهج يرى في الوقوف إلى جانب المحتاج والمريض والفقير والمتعفف واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا.

وهو أيضًا استلهام لنهج أهل البيت عليهم السلام، الذين ارتبطت سيرتهم بخدمة الإنسان، وقضاء حوائجه، وإغاثة الملهوف، ورعاية الضعيف، وحفظ كرامة المحتاج.

فحين تصل يد العون إلى إنسان أنهكته الأزمة، أو إلى عائلة فقدت مصدر رزقها، أو إلى مريض يحتاج إلى العلاج، لا تبقى القيم مجرد كلمات؛ بل تتحول إلى فعل، ويتحول الإيمان إلى مسؤولية، وتتحول المحبة إلى خدمة.

وفي سورية، تتواصل جهود سماحة السيد عبد المنعم الحكيم ونجله العلامة السيد علي عبد المنعم الحكيم في متابعة شؤون الناس وخدمتهم، فيما تتواصل في لبنان جهود سماحة السيد حيدر محمد سعيد الحكيم في رعاية المؤمنين ومتابعة أوضاعهم والوقوف إلى جانب المحتاجين.

وهذه الجهود، بما تحمله من رعاية اجتماعية وإنسانية، ليست أعمالًا منفصلة عن مدرسة السيد محمد سعيد الحكيم، بل تمثل امتدادًا عمليًا لفكرة أن:

العلم مسؤولية، والمرجعية أمانة، وخدمة الإنسان جزء أصيل من الرسالة الدينية.

من ذكرى العالم إلى استمرار الرسالة

نستذكر سماحة المرجع السيد محمد سعيد الحكيم في رحاب كل مجلس من مجالس العزاء لأهل البيت عليهم السلام، لأن رحيل فقيه أهل البيت السيد محمد سعيد الحكيم (رضوان الله عليه) لم يكن خسارة للعلم والعلماء فحسب، بل كان خسارة لمعلم ومرشد ومصلح كبير.

وأن نستعيد سيرة عالم جعل العلم طريقًا للهداية، والمرجعية مسؤولية، وخدمة الإنسان واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، هو بعض من الوفاء.

أما الوفاء الحقيقي، فيكون بحفظ نهجه، وصيانة أمانته، ومواصلة رسالته، وتحويل قيمه إلى عمل يخدم الإنسان ويحفظ كرامته.

وبعد هذه السنوات على رحيل السيد محمد سعيد الحكيم، يبقى إرثه حاضرًا في علمه وكتبه وتلامذته ومدرسته، كما يبقى حاضرًا في كل عمل إنساني صادق يحمل شيئًا من النهج الذي آمن به وسار عليه.

فإن قيمة أي عمل إنساني لا تكمن في الحديث عنه فقط، بل في أثره الحقيقي على حياة الناس، وفي قدرته على تخفيف الألم، وحفظ الكرامة، وإشعار الإنسان بأنه ليس وحيدًا في مواجهة محنته.

وهذا هو المعنى الأعمق لحمل الأمانة وصيانة النهج:

أن تبقى أبواب الخير مفتوحة، وأن تبقى يد العون حاضرة، وأن يستمر العمل حيث تكون حاجة الإنسان، وأن تتحول القيم التي آمن بها العالم إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم.

رحم الله آية الله العظمى السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، وأسكنه فسيح جناته، وحشره مع محمد وآل محمد صلوات الله عليهم.

وحفظ الله علماءنا الأعلام، ووفق أبناءه وأشقاءه وممثلي مكاتبه ومحبيه لحمل هذه الأمانة، ومواصلة طريق العلم والإيمان وخدمة الإنسان.

ولا يسعنا إلا أن نتوجه بأسمى وأرفع وأجمل آيات الشكر والاحترام والتقدير إلى سماحة السيد عبد المنعم الحكيم، وسماحة السيد حيدر محمد سعيد الحكيم، وسماحة السيد علي عبد المنعم الحكيم، وإلى أبناء المرجع الراحل وأشقائه وممثلي مكاتبه ومحبيه، الذين يتابعون باهتمام، ويسهرون على خدمة الناس ومحبي أهل البيت عليهم السلام في سورية ولبنان.

فإن استمرار هذه الرعاية، والوقوف إلى جانب الإنسان، ومتابعة شؤونه، هي من أصدق صور الوفاء لمرجع جعل من العلم أمانة، ومن المرجعية مسؤولية، ومن خدمة الإنسان رسالة.

حملوا الأمانة… وصانوا النهج… وجعلوا الوفاء عملًا يُرى في حياة الناس.

 

 

سعيد فارس السعيد

كاتب وباحث استراتيجي سوري مستقل

متخصص في قضايا الأمن الاجتماعي والوطني

__صوتٌ من أجل شرقٍ يولد من تحت الرماد، لا من تحت الركام __

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى