خطاب القاعة الفارغة

كتب رياض الفرطوسي
لم يكن المشهد الذي رآه العالم في الرابع والعشرين من سبتمبر خطاباً بقدر ما كان استفتاءً علنياً. صعد بنيامين نتنياهو إلى منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي اللحظة نفسها نهض مئات الدبلوماسيين من مقاعدهم وغادروا القاعة. لم تكن مصادفة ولا انفعالاً عابراً، فقد سبقتها دعوة من البعثة الفلسطينية إلى الوفود لأن تنسحب جماعياً. وحين التفت رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى المقاعد الخالية، لم يجد ما يقوله لها سوى الإهانة: إن كان هناك (جبناء أخلاقياً) لم يغادروا بعد، فليتفضلوا بالمغادرة الآن.
في تلك الجملة كل شيء. فمن يملك حجة يقنع بها العالم لا يبدأ بشتم من جاء ليسمعه. ومن يخاطب ناخبيه على حساب سمعة دولته يعرف أن مشهد الرجل الذي يواجه الجميع وحده يساوي عنده أكثر من ألف بيان دبلوماسي. وهذا ما التقطه الإعلام الغربي نفسه قبل غيره. فقد رأت شبكة (إن بي سي) أن المخاطَب الحقيقي كان الناخب الإسرائيلي قبل انتخابات الشهر المقبل. ووصفت مراسلة إذاعة (إن بي آر) من تل أبيب الخطاب بأنه أقرب إلى فعالية انتخابية. أما (هآرتس)، وهي صحيفة إسرائيلية، فكتبت أنه لم يذهب إلى نيويورك ليخاطب العالم بل ليخوض حملته، وأن مكانة إسرائيل كانت الضحية الجانبية لذلك.
والأدهى ما اختاره من رسائل. وصف اتهامات الإبادة بأنها (أكبر كذبة في القرن)، وهي اتهامات لم يطلقها العرب وحدهم، بل صدرت عن لجنة تحقيق مدعومة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وباحثين في دراسات الإبادة وقادة تحدثوا في القمة نفسها. وقال إن ما جرى في غزة هو (نقيض الإبادة)، بينما تتحدث التقارير عن أكثر من 73 ألف فلسطيني قُتلوا وعن دمار طال معظم القطاع. ثم اتهم الأوروبيين الذين عاقبوا المستوطنين بعد تصاعد عنفهم في الضفة الغربية بأنهم يستسلمون لـ(الغوغاء المعادين للسامية)، وكأن أي انتقاد لسياسات حكومته تهمة جاهزة توجه إلى منتقديه، لا مسألة تُناقش. وتباهى بأن قرار ضرب إيران كان من أسهل قراراته، وأن قادة كثيرين يشكرونه سراً. وهو ادعاء لا دليل عليه، ومن السهل قوله ما دام لا أحد يستطيع أن يتحقق منه ولا أحد يجيب عنه.
ثم جاء الرد من حيث لا ينتظر. في اليوم التالي، صعدت وزيرة خارجية آيسلندا (ثورغيردور كاترين غونارسدوتير) إلى المنبر نفسه، وقالت ما نقلته صحيفة (بوسطن غلوب): سمعنا عبارة (الجبناء أخلاقياً) من هذا المنبر، وأنا أرى أن الجبناء هم القادة الذين يرفضون التفاوض من أجل سلام عادل ودائم، والذين يحرمون المحتاجين من المساعدات الإنسانية، والذين يخرقون القانون الدولي مراراً. لم تكن تمثل قوة عظمى ولا حليفاً تاريخياً، لكنها في دقيقتين استعادت الكلمة من يد صاحبها وأعادتها إلى معناها. ولم تقف عند ذلك، فقد تحدثت عن أطفال يُقتلون وأسر تفقد بيوتها، وحذرت من أن يتحول ما يجري في فلسطين إلى (ضجيج في الخلفية)، وانتقدت التوسع الاستيطاني وعنف المستوطنين وإفلاتهم من العقاب.
لكن ما الذي يعنيه كل هذا؟ هل هو مشهد يُنسى بعد أيام كغيره من المشاهد؟ أظن أن الجواب لا، لكن بشرط ألا نبالغ. فالانسحاب من قاعة لا يوقف قصفاً ولا يفتح معبراً. والخطأ الذي نقع فيه نحن العرب كثيراً أن نحتفل بالصورة وننسى ما وراءها. الصورة عَرَض لتحول أعمق: أن الدول التي كانت تحمي إسرائيل بالصمت بدأت تفقد صبرها، وأن ما كان يُعدّ خطاً أحمر في الخطاب الغربي بدأ يُتجاوز. فقد اعترفت عواصم غربية كبرى بدولة فلسطين، وفرضت أوروبا عقوبات على المستوطنات، وبدأت مسألة تجارة السلاح تدخل النقاش العام. وحتى نتنياهو نفسه أقرّ في سبتمبر الماضي بأن بلاده قد تواجه عزلة طويلة، وحذّر من مخاطر على صناعاتها العسكرية. أي أنه يدرك حجم المشكلة أكثر مما يعترف به على المنابر.
وأتوقع أن يتحرك هذا التحول في ثلاثة مسارات. الأول عقوبات موجهة وقيود على تجارة المستوطنات وتشدد في صادرات السلاح، وستتسع تدريجياً لا دفعة واحدة. والثاني قضائي، فالمحاكم الدولية ومحاكم دول عدة ستواصل عملها بغض النظر عمن يحكم إسرائيل غداً، ومذكرة التوقيف الصادرة بحق نتنياهو ستظل تحاصره في سفره. والثالث، وهو الأخطر على المدى البعيد، هو الرأي العام الغربي، فالأجيال الجديدة في أمريكا وأوروبا لا ترى الصراع بعيني آبائها، وهذا التآكل الهادئ في الدعم الشعبي قد يُترجم مع الوقت إلى سياسات، حتى في واشنطن.
وفي المقابل، ينبغي أن نكون واقعيين. لن تنهار الحماية الأمريكية غداً، ولن تُقطع العلاقات الأمنية والتقنية مع إسرائيل بقرار سياسي، ولن تتحول العزلة الدبلوماسية إلى حصار شامل. فالمعركة طويلة، ومن يظن أن قاعة فارغة تكفي لإنهاء الاحتلال يخدع نفسه. غير أن غياب لقاء بين نتنياهو وترامب في نيويورك يقول شيئاً مهماً: أن الغطاء الأمريكي، على قوته، لم يعد ممنوحاً بلا حساب، وأنه مرتبط بمزاج شخص واحد أكثر مما هو مرتبط بإجماع مؤسسي.
أما الانتخابات الإسرائيلية فهي المفصل القادم. فإن خسر نتنياهو، فلن يعني ذلك تغييراً جذرياً في السياسة تجاه الفلسطينيين، فالمزاج الذي حمله إلى هذا الخطاب أعمق منه، لكنه سيمنح العالم فرصة لمراجعة لغته. وإن فاز، فسيمضي في التصعيد، وستمضي أوروبا في إجراءات لم تكن تتصورها قبل عامين. وفي الحالتين، ستبقى الأسئلة عن غزة والضفة معلقة فوق رأسه ورأس من يخلفه.
والدرس الذي ينبغي أن نقرأه في العالم العربي والإسلامي أن هذه اللحظة لا تعمل من تلقاء نفسها. فالتعاطف العالمي الذي ظهر في تلك القاعة لم يهبط من السماء، بل صنعه صمود الفلسطينيين وشجاعة صحفيين وحقوقيين ودبلوماسيين وضعوا الحقيقة أمام العالم. ومن أراد أن يبني على هذا التحول، فعليه أن يجيد لغة العالم لا لغة الغضب وحدها: قانوناً ودبلوماسية وإعلاماً وموقفاً موحداً. وإلا ضاعت اللحظة كما ضاع غيرها.
خطاب القاعة الفارغة لم يكن انتصاراً لأحد، لكنه كشف حقيقة صارت أصعب على الإنكار: أن من يحتاج إلى إهانة مستمعيه كي يُسمع لا يملك ما يقنعهم به.



