متابعات

سيكولوجيا الغياب…

سيكولوجيا الغياب…

إعداد: د. بتول أمين عرندس
هل يمكن للإنسان أن يعتاد غياب الآخرين دون أن يفقد قدرته على الحب؟ وهل القوة أن نتوقف عن الاشتياق أم أن نشتاق دون أن نسمح للغياب بأن يسرق سلامنا النفسي؟

سيكولوجيا الغياب لا تتعلق فقط بما نشعر به عندما يبتعد الآخرون، بل بكيفية تعاملنا مع هذا الابتعاد. فالإنسان الواعي لا يجعل استقراره النفسي مرتبطًا برسالة ينتظرها أو اتصال يتأخر أو اهتمام يتغيّر. هو يحبّ ويشتاق ويقدّر وجود الآخرين، لكنه لا يتوقف عن عيش حياته عندما يغيبون.

في علم النفس، ترتبط هذه الفكرة بالتنظيم الانفعالي والمرونة النفسية؛ أي قدرتنا على التعامل مع مشاعرنا دون أن تتحول إلى قوة تتحكم في أفكارنا وقراراتنا. فليس المطلوب أن ننكر الاشتياق، بل أن نفهمه دون أن نستسلم له، وأن نتقبّل المسافة دون أن نفسّر كل غياب على أنه رفض أو تخلٍّ.

ومع الوقت يتعلّم الإنسان أن يخفّف اعتماده العاطفي على التفاصيل التي لا يستطيع التحكم بها. فلا يراقب هاتفه باستمرار، ولا يعلّق يومه على مبادرة شخص آخر، ولا يسمح لتغيّر مزاج الآخرين بأن يحدّد قيمته أو يسرق منه شعوره بالاستقرار.

القوة النفسية ليست أن تعتاد غياب الناس حتى لا تشعر بشيء، بل أن تعتاد غيابهم دون أن تفقد نفسك.

أن تشتاق دون أن تطارد، وأن تحب دون أن تتوسّل الاهتمام، وأن تمنح الآخرين مكانتهم دون أن تمنحهم سلطة كاملة على مزاجك وراحتك. فهناك فرق بين شخص نحبّ وجوده وشخص لا نستطيع الشعور بالسلام إلا بوجوده.

والاعتياد على الغياب لا يعني القسوة أو الانتقام بالصمت، بل بناء حياة متوازنة لا تتوقف عند ابتعاد أحد. أن تبقى لك اهتماماتك وعلاقاتك وأهدافك وطمأنينتك، وأن تفهم أن غياب الآخرين قد يكون جزءًا طبيعيًا من الحياة، لا حكمًا على قيمتك الشخصية.

تذكّر دائمًا أن النضج العاطفي لا يجعلك أقل حبًا، بل أكثر اتزانًا. فلا تجعل حضور الآخرين مصدر قوتك الوحيد، ولا تجعل غيابهم اختبارًا دائمًا لقيمتك.

أجمل ما يصل إليه الإنسان أن يحبّ من قلبه، لكنه لا يفقد نفسه حين يغيب من يحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى