كتابنا

‏بيت جن… عملية تكشف معادلة جديدة في الجنوب السوري


‏ حسين مرتضى / باحث سياسي

‏شهدت بلدة بيت جن في ريف دمشق الجنوبي الغربي الأسبوع الماضي واحدًا من أخطر الاعتداءات الإسرائيلية منذ عقود، بعدما نفّذت قوات الاحتلال توغّلًا بريًا داخل البلدة، أعقبه قصف استهدف منازل وممتلكات مدنية، ما أدى إلى سقوط ضحايا . ووصفت دمشق العملية بأنها «مجزرة» و«جريمة حرب»، مؤكدة أن استهداف المدنيين يشكّل تصعيدًا عسكريًا يتجاوز كل الخطوط الحمراء.

‏يمثل هذا الهجوم نقطة تحوّل لافتة في طبيعة التعامل الإسرائيلي مع الجنوب السوري. فمنذ اتفاق فصل القوات عام 1974، التزمت إسرائيل — ضمنيًا على الأقل — بعدم تنفيذ عمليات برية داخل قرى مأهولة في الجانب السوري من خط الفصل. ورغم سنوات الحرب وما رافقها من فوضى أمنية في بعض مناطق درعا والقنيطرة، لم يحدث خلال نصف قرن ما يشبه العملية التي شهدتها بيت جن، ما يجعلها سابقة تحمل دلالات تتجاوز مكان الحدث وزمانه.

‏تكمن أهمية بيت جن في موقعها الحساس المطلّ على سفوح جبل الشيخ، وفي قربها النسبي من العاصمة دمشق. وبذلك، فإن تنفيذ عملية توغّل في هذه المنطقة يوجّه رسالة سياسية وأمنية مزدوجة: أولًا، أن إسرائيل باتت تتعامل مع الجنوب السوري كمساحة مفتوحة يمكن اختراقها متى شاءت؛ وثانيًا، أن القدرة من قبل سلطة الامر الواقع على حماية مناطق قريبة من العاصمة تتعرض اليوم لاختبار مباشر وغير مسبوق.

‏وبحسب مصادر دبلوماسية، كانت دمشق قد بعثت خلال الأسابيع الماضية بإشارات إيجابية عبر قنوات غير مباشرة، في محاولة لخفض مستوى التوتر على الجبهة الجنوبية. غير أن العملية الإسرائيلية بدت، في توقيتها وطبيعتها، وكأنها ردّ معاكس لهذه الإشارات، ما يعكس رغبة واضحة في فرض وقائع ميدانية جديدة بدل الانخراط في أي مسار تهدئة محتمل.

‏الدلالات الأبرز للهجوم تتمثل في انتقال إسرائيل من استراتيجية «الضربات الدقيقة» إلى ما يشبه سياسة «النفوذ العميق»، التي لا تكتفي باستهداف مواقع محددة فحسب، بل تسعى إلى خلق منطقة نفوذ أمنية داخل جنوب سوريا، تمتد من محيط الجولان وصولًا إلى تخوم ريف دمشق. وإذا ما استمر هذا النهج، فقد يدخل الجنوب مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، تتراجع فيها القدرة على ضبط الحدود وتزداد فيها مخاطر الانفلات الأمني.

‏في المحصلة، لا يمكن قراءة اعتداء بيت جن بوصفه حادثًا عابرًا أو ردًا موضعيًا على تهديد محدد، بل باعتباره مؤشّرًا على تحول في قواعد الاشتباك وفي شكل العلاقة الأمنية على الجبهة السورية. فالهجوم لم يستهدف بيت جن وحدها، بل استهدف — في رمزيته — فكرة السيادة ذاتها، ورسّخ معادلة جديدة تقول إن الجنوب السوري لم يعد بمنأى عن عمليات التوغّل، وإن التوازنات القديمة التي حكمت المنطقة منذ عقود باتت اليوم أمام اختبار هو الأخطر منذ سنوات طويلة

https://x.com/mortadapress/status/1994715262138925493?s=46&t=6cB48qZ9PmSesExTtDnoBg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى