كتابنا

ما بعد المذهبية: صراع المشروعين لا صراع الطوائف

ما بعد المذهبية: صراع المشروعين لا صراع الطوائف

كتب  ✒️:راهي الحاتم
منذ أكثر من نصف قرن، بدأت المذهبية بوصفها إطارًا جامعًا للصراع السياسي تتراجع تدريجيًا، ليس لأن الخلافات الفقهية انتهت، بل لأن مركز الثقل انتقل من سؤال “من أنت مذهبيًا؟” إلى سؤال “إلى أي مشروع تنتمي؟”. لم يعد الانقسام الحقيقي شيعيًا–سنيًا، بل انقسامًا بين مشروعين متقابلين: مشروع يرى نفسه في خط المقاومة والتحرر، ومشروع آخر يذوب في المنظومة الغربية ويبرر هيمنتها.
لقد أعادت الثورة الإسلامية في إيران تعريف الصراع في المنطقة بوصفه صراع إرادة وسيادة، لا صراع مذاهب. ومنذ ذلك الحين، تبلور ما يُعرف بمحور المقاومة بوصفه خطابًا عابرًا للطوائف، يضم شيعة وسنة ومسيحيين، بل وحتى قوى قومية ويسارية، يجتمعون حول فكرة مركزية: رفض الهيمنة الأجنبية ورفض شرعنة المشروع الصهيوني الذي تجسّده دولة إسرائيل.
في المقابل، نشأت مدرسة أخرى يمكن تسميتها بمدرسة الاندماج أو “الانبطاح” بلغة الخطاب الحاد، وهي ليست مذهبًا أيضًا. فيها شيعي وسني، وفيها من مختلف الأديان والطوائف، لكنهم يشتركون في قناعة واحدة: أن الانخراط في النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة قدر لا مفر منه، وأن الواقعية السياسية تقتضي التطبيع، والتحالف، والانسجام مع توازنات القوة العالمية حتى لو كان الثمن تراجع القرار الوطني.
المفارقة أن الفريقين يضمان التنوع ذاته، لكن الفارق ليس في الهوية الدينية بل في تعريف السيادة.
الأول يراها استقلال القرار ورفض الوصاية، والثاني يراها إدارة مصالح ضمن شبكة تحالفات دولية.


الأول يتحدث بلغة التحرر، والثاني بلغة الاستقرار.
الأول يستحضر فلسطين كقضية مركزية، والثاني يعيد تعريفها كملف يمكن احتواؤه ضمن ترتيبات إقليمية.
أما “خط أهل البيت” في هذا السياق، فلا يُفهم بوصفه انتماءً طقوسيًا، بل بوصفه منظومة قيم: نصرة المظلوم، مقاومة الظالم، ورفض بيع الموقف تحت ضغط القوة. وهو خط يمكن أن يتبناه شيعي وسني ومسيحي، لأنه أخلاقي قبل أن يكون فقهيًا. ومن هنا يسقط الادعاء بأن الصراع مذهبي؛ إذ إن المذهبية لو كانت هي الأساس، لما وُجد هذا التداخل داخل المعسكرين.
في العراق، كما في غيره من بلدان المنطقة، تتجلى هذه الثنائية بوضوح. فالأحزاب والتيارات لم تعد تُصنَّف فقط بحسب مرجعياتها المذهبية، بل بحسب موقعها من معادلة السيادة والارتباط الخارجي. وهنا يتحدد الاصطفاف الحقيقي: هل القرار الوطني يُصاغ في الداخل أم يُستورد من الخارج؟ وهل الأولوية لبناء دولة قوية مستقلة، أم لدولة مندمجة في منظومة إقليمية تُرسم خرائطها خارج حدودها؟
إن وضع الأمور في نصابها يقتضي الاعتراف بأن المذهبية لم تختفِ تمامًا، لكنها لم تعد المحرك المركزي. المحرك اليوم هو الصراع على تعريف هوية المنطقة وموقعها في العالم:
هل هي ساحة نفوذ، أم فاعل مستقل؟
هل تُدار وفق إملاءات القوة، أم وفق إرادة شعوبها؟
إنها لحظة فرز تاريخي لا تُختزل في شعارات، بل تُحسم في الموقف من السيادة، ومن فلسطين، ومن شكل العلاقة مع الغرب. ومن هنا، فإن الانقسام القائم ليس بين طائفتين، بل بين مشروعين: مشروع مقاومة يرى في الاستقلال قيمة عليا، ومشروع اندماج يرى في التبعية خيارًا واقعيًا.
وبين المشروعين، يتحدد مستقبل المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى