نبض وطن
كتب ✒️ :راهي الحاتم
في هذا المنعطف الانتخابي الحاسم، يقف العراق أمام مشهد تتداخل فيه الحقائق مع التوجسات، وتعلو فيه أصوات الناس فوق صمت السياسيين. فمع اقتراب صناديق الاقتراع، تتكاثر الهواجس في الشارع، ويزداد القلق بين المواطنين الذين أنهكتهم التجارب وأثقلت كاهلهم الوعود التي لم تتجاوز مرحلة الكلام.
لقد كشفت السنوات الماضية أن القرار الوطني غالبًا ما كان غائبًا أو مُختَطَفًا، وأن الحكومات التي تعاقبت لم تحمل من الإصلاح سوى شعاراته. فالحكومة الحالية، على وجه الخصوص، أتقنت فن الانبطاح السياسي، حين وضعت الوطن في كف، ومصالحها وشبكاتها الخفية في الكف الآخر، ثم رجّحت ما يثقل جيوبها لا ما ينهض ببلدها. وما قدّمته للناس لم يكن سوى ابتسامات محفوفة بالضباب، ووعود تتبخر عند أول مواجهة مع الواقع.
أما ما جرى خلف الكواليس فكان أشدّ عتمة مما ظهر للعلن. ترتيبات وتفاهمات تُدار في الظل، وقرارات تتخذ بعيدًا عن أعين الرأي العام. وكل حكومة جاءت لعنت التي سبقتها، بينما بقي المواطن يتساءل بحسرة: من يحاسب من؟ ومن يصلح من؟
وفي صدارة الشواهد التي لا تزال تجرح الوعي العراقي، تبقى سرقة القرن وصاحبها نور زهير علامة فارقة في سجل الفساد؛ فالرجل لا يزال يتمتع بنفوذ واسع، وشركاته تعمل بلا توقف، وعمولاته تتدفق كأن شيئًا لم يحدث… بل بلغ الأمر أن نال عقودًا جديدة، في مشهد يختصر حجم الخلل العميق الذي ينخر مؤسسات الدولة.
هذه الكلمات لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى تذكير الناخب بأنّ الانتخابات ليست حفلة شعارات، بل لحظة مصيرية تُعيد رسم شكل الدولة المقبلة. فالعراق لا يحتاج إلى وعود جديدة، بل إلى إرادة حقيقية تقطع يد الفساد وتستعيد القرار الوطني من جيوب المتنفذين.
إن نبض الوطن اليوم يُنادي بصوتٍ واحد:
ارفعوا الغطاء عن الملفات المظلمة، حاسبوا من خان الأمانة، ولا تجعلوا الوطن سلعة تُباع في سوق المصالح.
هذه هي مسؤولية الناخب، وهذه هي مسؤولية كل قلم حر، وكل صوت يرفض أن يكون شاهد زور في زمن الانهيار.