اتهامات السعودية ودول الخليج للعراق بعد غياب الأدلة وتداخل الملفات.. قراءة في خفايا الاتهامات المتبادلة وتداعياتها على أمن المنطقة

اتهامات السعودية ودول الخليج للعراق بعد غياب الأدلة وتداخل الملفات.. قراءة في خفايا الاتهامات المتبادلة وتداعياتها على أمن المنطقة
الوسق الاخبارية
في ظل التطورات الأمنية المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج، تبرز تساؤلات ملحة حول مدى دقة الاتهامات التي تُوجّه هنا وهناك، وفي مقدمتها ما يُثار حول تورط فصائل عراقية في الهجمات التي استهدفت منشآت ومواقع في المملكة العربية السعودية. ورغم تواتر الحديث في هذا السياق، إلا أن المشهد لا يزال يفتقر إلى الأدلة القاطعة والعلنية التي تربط بشكل نهائي بين هذه الهجمات وتلك الأطراف، مما يفتح الباب أمام قراءات متعددة وتفسيرات تتقاطع فيها السياسة مع الأمن، والملفات الإقليمية مع الحسابات الداخلية.
أولاً: الاتهامات بين استباق الحقائق وتوظيف الرأي العام
من أبرز ملامح هذا المشهد أن كثيراً من الخطابات السياسية والإعلامية تسارع إلى تحديد المسؤولية قبل اكتمال التحقيقات، وقبل توفر المعطيات المادية والفنية التي تثبت مصدر الهجوم، ونوع المنصة المستخدمة، ومسار الانطلاق. هذا النهج –الذي يُعرف بـ «صناعة السردية المسبقة»– يفرض رواية محددة على الرأي العام، ويصعب تصويبها لاحقاً حتى لو كشفت الوقائع خلاف ذلك.
ولا يخفى على المتابع أن وراء هذا الاستعجال قد تكمن أهداف أخرى؛ فثمة محاولة واضحة لإعادة توجيه «بوصلة» الاهتمام الإقليمي، وصرف الانتباه عن أزمات هيكلية وتداعيات ميدانية قائمة، وفي مقدمتها استمرار تداعيات حرب اليمن، وتأثير عملياتها المباشرة على أمن الملاحة والمنشآت الحيوية في الخليج، فضلاً عن التحديات المشتركة المتعلقة بأمن الحدود والسيادة.
وفي السياق العراقي، تضع هذه الاتهامات غير المدققة العلاقات الثنائية بين بغداد ودول الخليج أمام اختبار جديد، في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية لتعزيز جسور الثقة، وتأكيد التزامها الراسخ بعدم السماح باستخدام أراضيها منطلقاً لأي عمل عسكري ضد أي دولة شقيقة أو صديقة. وهو ما يتطلب في المقابل توفير أي بيانات أو أدلة قد تملكها الأطراف الأخرى، لتمكين السلطات العراقية من القيام بواجباتها الرقابية والتحقيقية.
ثانياً: جذور التوتر.. صراع النفوذ وتشابك الملفات
لا يمكن فهم هذه الاتهامات بمعزل عن السياق الأوسع للصراع النفوذي الإقليمي المستمر، الذي تتداخل فيه المصالح والتحالفات، وتتقاطع فيه الملفات اليمنية والعراقية والخليجية والإيرانية. فالأزمة الراهنة ليست وليدة حادث عابر، بل هي امتداد لتراكمات طويلة من الهواجس الأمنية، وتنافس الأدوار، وتبادل التأثير عبر الساحات المختلفة.
ومن المعروف أن إيران تربطها علاقات وتحالفات مع أطراف مسلحة متعددة في المنطقة، تشمل حركة أنصار الله «الحوثيين» في اليمن، وفصائل عراقية مختلفة، وآخرين في دول أخرى. غير أن وجود هذا الدعم أو هذا الارتباط لا يعني تلقائياً المسؤولية المباشرة عن كل عملية، ولا يُغني عن تقديم الدليل المحدد الذي يربط بين الحدث وتلك الجهة. كما لا يُغفل حقيقة تفاوت مستويات التنسيق والقرار بين هذه الأطراف، وهو ما يعقد مهمة تحديد المسؤولية بدقة.
وتقف دول الخليج أمام تحدٍّ أمني متزايد، يتمثل في تطور قدرات الطائرات المسيرة والصواريخ، وانخفاض تكلفتها مقارنة بمنظومات الدفاع، وقدرتها على اختراق المسافات الطويلة؛ مما جعل أمن الطاقة والملاحة والمنشآت الحيوية في قمة أولوياتها. وفي المقابل، يواجه مفهوم مسؤولية الدولة عن أراضيها تحدياً جديداً في مناطق توجد فيها قوى مسلحة لا تخضع بالكامل لسلطة القرار المركزي، ضمن ما يُصنف في الدراسات الاستراتيجية بأنه «المناطق الرمادية» التي يصعب فيها تحديد خطوط المسؤولية التقليدية.
ثالثاً: معيار الحق.. «الاتهام يقتضي الدليل» كقاعدة قانونية واستراتيجية
يُشكل مبدأ «الاتهام يقتضي الدليل» حجر الزاوية في القانون الدولي، وفي قواعد العلاقات السليمة بين الدول؛ فلا يجوز تحميل دولة أو جهة ما تبعات عمل عدواني دون أدلة مادية لا لبس فيها، وتحقيقات نزيهة، وشفافية في عرض النتائج. إن الادعاءات المجردة، والاستنتاجات الظنية، لا ترتقي لمستوى الحجة التي تبرر التصعيد، أو اتخاذ إجراءات عقابية، أو التأثير على العلاقات الثنائية.
ويحمل غياب هذا المعيار مخاطر جمة؛ فهو يفتح الباب أمام سوء التقدير، وتأجيج النزاعات، وتوسيع دائرة الاستهداف، وقد يدفع المنطقة نحو مواجهات لا أحد يعرف مداها. وبدلاً من معالجة التهديدات الأمنية، قد تؤدي هذه الطريقة إلى تمزيق ما تبقى من ثقة، وإغلاق أبواب الحوار الضروري لتوضيح الحقائق.
وللتغلب على هذا الغموض، تبرز الحاجة الماسة إلى آليات عمل جديدة ومشتركة: تبدأ بتبادل البيانات الفنية والاستخباراتية، وتستمر في إجراء تحقيقات مشتركة أو بمشاركة خبراء محايدين، ثم بناء المواقف والقرارات على ما تثبته هذه الخطوات، وليس على ما يُراد افتراضه أو ترويجه.
خلاصة القول
إن الأمن الإقليمي خيار جماعي لا يمكن تحقيقه عبر لغة الاتهامات المتبادلة، أو عبر توظيف الحوادث الأمنية لخدمة أغراض سياسية؛ بل يتطلب تجاوز هذه الممارسات، والفصل بين الخلافات الدبلوماسية وبين الوقائع الميدانية والتقنية، والالتزام بالشفافية والعدالة والحق. فالمنطقة لا تتحمل مزيداً من التشابك الذي يُضيع الحقيقة، وإنما تحتاج إلى رؤية موحدة لوقف التصعيد، وكشف الحقائق، وتعزيز الاستقرار الشامل للجميع.

