سياسة

الفساد في العراق.. عشوائي أم منظومة مصالح متشابكة؟

الفساد في العراق.. عشوائي أم منظومة مصالح متشابكة؟

كتب ✍️:راهي الحاتم
لم يعد الحديث عن الفساد في العراق مرتبطاً بحالات فردية أو تجاوزات إدارية محدودة. فحجم الأموال التي أُهدرت أو اختفت، وتكرار أنماط الفساد عبر سنوات طويلة، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل ما يجري مجرد فساد متفرق، أم أنه نتاج منظومة مصالح متشابكة؟
من الصعب تفسير الفساد واسع النطاق باعتباره أفعالاً فردية فقط. فالعقود والمشاريع والتخصيصات المالية تمر عبر سلسلة طويلة من الإجراءات والقرارات، ما يعني أن الفساد الكبير، حين يحدث، يحتاج إلى بيئة تسمح له بالاستمرار، وإلى أطراف متعددة تؤدي أدواراً مختلفة.
وهنا تظهر فكرة «الشبكة»: مسؤول يملك القرار، وجهة تسهّل الإجراءات، وشخص يتولى التنفيذ، وآخر يوفر الحماية السياسية أو الإدارية، بينما تبقى الأموال هي القاسم المشترك بين الجميع.
الأخطر أن بعض شبكات المصالح لا تعتمد على القوة وحدها، بل على الخطاب أيضاً. فالوطنية والنزاهة ومحاربة الفساد شعارات حاضرة بقوة في المشهد العام، لكن معيار الحكم الحقيقي لا ينبغي أن يكون ما يقال أمام الكاميرات، بل ما تكشفه الوثائق وحركة الأموال والقرارات.


لذلك فإن معالجة الفساد لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة اسم يظهر في قضية أو إلقاء المسؤولية على موظف صغير. التحقيق الجاد يبدأ من مسار المال والقرار: من اتخذ القرار؟ من استفاد من العقد؟ من سهّل الإجراءات؟ أين ذهبت الأموال؟ ومن امتلك القدرة على تعطيل المساءلة؟
هذه الأسئلة هي التي تكشف إن كان الفساد حادثة منفردة أم منظومة متكاملة.
العراق لا يحتاج إلى حملات إعلامية مؤقتة، بل إلى مؤسسات قادرة على تتبع المال العام، وربط المسؤولية السياسية بالمسؤولية القانونية، وكشف تضارب المصالح، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، بعيداً عن الحماية الحزبية أو السياسية.
فالفساد لا يصبح خطراً حقيقياً بسبب الأموال التي تُنهب فقط، وإنما عندما يتحول إلى نظام قادر على حماية نفسه وإعادة إنتاج أفراده ووسائله.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم أمام الدولة والمجتمع:
هل نريد محاسبة بعض الفاسدين، أم تفكيك البيئة التي تجعل الفساد ممكناً؟
الفرق بين الخيارين هو الفرق بين معالجة الأعراض ومعالجة الامرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى