حمورابي.. وارث شريعة نبي مجهول؟

حمورابي.. وارث شريعة نبي مجهول؟
كتبت ✍️ :هيئة التحرير
ربما لا تكمن الفرضية الأكثر إثارة في القول إن حمورابي كان نبياً، بل في احتمال آخر يبدو أكثر قابلية للبحث التاريخي: أن يكون الملك البابلي قد ورث منظومة تشريعية تعود في أصلها إلى رسالة سماوية أقدم، ثم أعاد صياغتها بما يتلاءم مع عصره ودولته.
فالحضارات لا تنشأ من فراغ، والقوانين الكبرى لا تظهر دائماً بوصفها اختراعاً فردياً محضاً. فقبل حمورابي بقرون طويلة كانت بلاد الرافدين مسرحاً لمجتمعات ومدن وممالك متعاقبة، حملت معها منظومات دينية وأخلاقية وتشريعية تراكمت عبر آلاف السنين.
ومن هنا يمكن طرح سؤال بالغ الأهمية: من أين جاءت الفكرة الأولى للعدل؟ ومن أين استمد الإنسان القديم مفهوم أن هناك حقاً وباطلاً، وجريمة وعقوبة، وظالماً ومظلوماً؟
قد يكون الجواب التقليدي أن العقل البشري أنتج هذه القيم عبر التجربة الاجتماعية، لكن الرؤية الدينية تقدم احتمالاً آخر: أن تكون الرسالات السماوية قد وضعت البذور الأولى للقيم والقوانين، ثم تعرضت هذه الرسالات بمرور الزمن للتحريف والنسيان، بينما بقيت بعض مبادئها حاضرة في ذاكرة الشعوب.
وفق هذه القراءة، يمكن النظر إلى شريعة حمورابي ليس باعتبارها بالضرورة وحياً، وإنما باعتبارها أحد الأشكال التاريخية التي ربما احتفظت بأصداء شريعة أقدم.
وهنا تكتسب بلاد الرافدين أهمية استثنائية؛ فهي أرض الحضارات الأولى، ومهد الكتابة، وموطن المدن القديمة، وفي الوقت نفسه تقع ضمن الجغرافيا التي ارتبطت تاريخياً بقصص الأنبياء الأوائل.
لذلك قد يكون من المشروع البحث في احتمال أن تكون بعض المفاهيم القانونية والأخلاقية التي وصلتنا عبر الألواح الطينية ليست مجرد نتاج سياسي أو اجتماعي، بل بقايا بعيدة لذاكرة دينية فقدت أسماء أصحابها وبقيت آثارها في النصوص والقوانين.
إنها فرضية لا تثبت النبوة لحمورابي، لكنها تفتح باباً أكثر عمقاً: ربما كان خلف مسلة بابل الشهيرة تاريخ روحي أقدم بكثير من الملك الذي حمل اسمه القانون.



