البوابات البعدية والعلم اللدني: بين النص القديم وأسئلة الفيزياء الحديثة

البوابات البعدية والعلم اللدني: بين النص القديم وأسئلة الفيزياء الحديثة
كتبت✍️:هيئة التحرير
قراءة في رحلة الخضر وذي القرنين وحدود المعرفة الإنسانية
ظلّ الكون، منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، أكبر من قدرته على الفهم وأوسع من أدوات القياس والتفسير. وفيما يسعى العلم الحديث لتفكيك أسرار المادة والطاقة والزمن، تظلّ النصوص الدينية والتراثية تفتح أمام العقل أسئلة عميقة حول طبيعة المعرفة، حدود الإدراك، وما وراء العالم المرئي.
وفي هذا السياق، تبرز قصص الأنبياء والشخصيات القرآنية — ومنها رحلة الخضر وذي القرنين عليهما السلام — بوصفها نصوصاً ثرية للتأمل في مفهوم المعرفة الاستثنائية، دون أن يعني ذلك إخضاعها مباشرة لقوانين الفيزياء الحديثة أو التعامل معها كنظريات علمية مكتملة.
إن الحديث عن «البوابات البعدية» أو «العلم اللدني» يقع عند تقاطع الإيمان والفلسفة والخيال العلمي — منطقة ينبغي الاقتراب منها بحذر معرفي؛ فما هو رمزي وروحي لا يتحول تلقائياً إلى حقيقة فيزيائية بمجرد تشابهه مع مصطلحات معاصرة.
المادة المظلمة: المجهول الأكبر في الكون
تُعد المادة المظلمة أحد أكثر ألغاز الفيزياء الحديثة إثارة. ويُستخدم المصطلح لوصف شكل من المادة لا يُرى مباشرة ولا يتفاعل مع الضوء بالطريقة المعتادة، لكن وجوده يُستدلّ من تأثيراته الجاذبية على المجرات والبنى الكونية. ومع ذلك، لا يزال ما نعرفه عنها محدوداً، مما فتح مساحة واسعة للتساؤلات الفلسفية حول طبيعة الكون وما يخفيه خلف حدوده المرئية.
ومن هنا ظهرت تصورات تربط بين هذا المجهول وبين فكرة وجود شبكة معلوماتية كبرى تحيط بالوجود، تحفظ أحداثه وتربط مكوناته. لكن هذه التصورات تبقى، في حدود المعرفة العلمية الحالية، تأملات فلسفية وليست حقائق مثبتة.
الكون بوصفه شبكة مترابطة
كشفت الدراسات الحديثة عن بنى كونية هائلة تُعرف بـ «الشبكة الكونية»، حيث تتوزع المجرات في تجمعات وخيوط واسعة تفصل بينها مساحات شاسعة. وقد منح هذا الاكتشاف فرصة جديدة للتفكير في الترابط الكوني. غير أن الانتقال من الترابط الفيزيائي إلى القول بوجود «وعي كوني» يسجل كل حركة وفكرة ونبضة قلب، هو انتقال من المجال العلمي إلى المجال الفلسفي والميتافيزيقي.
وهذه الفكرة في جوهرها ليست غريبة عن التراث الإنساني والديني، الذي طالما تحدث عن كونٍ محكوم بنظام دقيق، لا تضيع فيه التفاصيل ولا تخرج الأحداث عن نطاق علم الخالق وإحاطته.
اللوح المحفوظ ومفهوم السجل الكوني
يمثل «اللوح المحفوظ» في الرؤية الإسلامية أحد المفاهيم المرتبطة بعلم الله المطلق وإحاطته بكل شيء. وهو مفهوم غيبي لا يمكن اختزاله في تشبيه تقني أو تحويله ببساطة إلى ما يشبه قواعد البيانات أو شبكات المعلومات الحديثة.
بيد أن الإنسان المعاصر يحاول دائماً فهم المفاهيم الكبرى عبر أدوات عصره. فكما فسّر القدماء العالم بلغتهم ومعارفهم، يقترب إنسان اليوم من الأسئلة الوجودية عبر مفردات الفيزياء والمعلومات والطاقة والفضاء. وفي هذا الإطار، تُقرأ فكرة «السجل الكوني» بوصفها محاولة لتقريب معنى الإحاطة الإلهية بالعالم، لا وصفاً علمياً لبنية المادة.
يقول الله تعالى:
﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾[الأنعام: 59]
بين العلم اللدني وحدود المعرفة
تفتح قصة الخضر وموسى عليهما السلام باباً واسعاً للتأمل في طبيعة المعرفة الإنسانية. فالمعرفة، وفق المنظور القرآني، ليست مستوى واحداً، ولا يحيط الإنسان بكل شيء مهما امتلك من أدوات العلم. وتشير قصة الخضر إلى وجود حكمة قد تغيب عن الإدراك المباشر، بينما تكشف رحلة ذي القرنين عن نموذج مختلف للمعرفة — تجمع بين القوة والأسباب والتخطيط والمسؤولية.
وبين النموذجين تتضح حقيقة مركزية: أن الإنسان، مهما بلغ من العلم، يبقى محكوماً بحدود إدراكه، وأن ما يراه جزءاً من الحقيقة قد يكون مجرد نقطة في صورة أكبر وأعمق.
حين يلتقي السؤال العلمي بالتأمل الروحي
قد لا تكمن القيمة في محاولة إثبات أن المادة المظلمة هي «وعي كوني»، أو تفسير الظواهر الغيبية مباشرة عبر الفيزياء الحديثة؛ فمثل هذه القفزات قد تضعف العلم وتسيء إلى النص الديني معاً. لكن القيمة كل القيمة في السؤال نفسه:
– ماذا لو كان الكون أكثر تعقيداً مما نتصور؟
– وماذا لو كانت أدواتنا الحالية عاجزة عن إدراك مستويات أخرى من الواقع؟
– وهل يمكن للعلم، كلما تقدم، أن يكتشف أن المجهول أكبر بكثير مما كان يُظن؟
إن تاريخ العلم يعلمنا أن كثيراً مما كان مستحيلاً بالأمس أصبح حقيقة اليوم، وأن حدود المعرفة ليست ثابتة، بل تتسع باستمرار.
وبين النص القديم والفيزياء الحديثة تبقى مساحة خصبة للتأمل — لا ينبغي أن تُملأ بيقين زائف، ولا أن تُغلق أمام الأسئلة. فالكون، رغم كل ما اكتشفناه، لا يزال يحتفظ بأسراره الكبرى. ولعل أعظم حكمة يصل إليها الإنسان ليست ادعاء المعرفة الكاملة، بل إدراكه — كلما اتسعت معرفته — لكمّ ما يزال يجهله. إنه يقف على شاطئ المعرفة، بينما يمتد أمامه محيط الغيب بلا نهاية.



