احداث

العيش على خطّ الزلازل السياسية

العيش على خطّ الزلازل السياسية

كتب ✍️ راهي الحاتم
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمة سياسية واحدة يمكن تحديد أطرافها ونهايتها، بل أصبح يتحرك فوق شبكة من الصراعات المتداخلة، تمتد من إيران والخليج إلى اليمن والبحر الأحمر، مرورًا بالعراق، في ظل حضور أمريكي وإسرائيلي يجعل أي تصعيد قابلًا للاتساع خارج حدوده الأولى.
المواجهة مع إيران تقف في قلب هذا المشهد، ليس بسبب الصراع المباشر فحسب، وإنما بسبب موقعها الجغرافي وإشرافها على مضيق هرمز، الذي يجعل أي اضطراب فيه قضية تتجاوز المنطقة إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وفي الجهة الأخرى، تحولت جبهة الحوثيين في اليمن إلى عامل مؤثر في المعادلة الإقليمية، خصوصًا مع ارتباطها بأمن البحر الأحمر وباب المندب. وهنا لم تعد الجغرافيا مجرد حدود، بل أصبحت ورقة قوة؛ فتهديد الملاحة في ممر حيوي يمكن أن يفرض حسابات جديدة على الدول والقوى الكبرى.
أما دول الخليج، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية: حماية أمنها ومصالحها، مع تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد يصعب التحكم في مساراتها. ولذلك تتحرك بين تعزيز الردع ومحاولة إبقاء أبواب التهدئة مفتوحة.
وفي وسط هذه الخريطة يأتي العراق، الأكثر حساسية بحكم موقعه وعلاقاته المتشابكة. فهو قريب من إيران، ومرتبط بدول الخليج، وله علاقات مع الولايات المتحدة، ما يجعله معرضًا لتداعيات أي تصعيد إقليمي.
ولهذا فإن التحدي العراقي لا يتمثل في اختيار طرف على حساب آخر بقدر ما يتمثل في حماية السيادة ومنع تحويل الأراضي والأجواء العراقية إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. فكلما اتسعت دائرة الصراع، ازدادت مسؤولية الدولة في ضبط أراضيها وحماية مصالحها.
المشكلة الحقيقية أن هذه الجبهات لم تعد منفصلة. تصعيد في إيران قد ينعكس على الخليج، واضطراب في الخليج قد يؤثر في الطاقة، وتصعيد في البحر الأحمر قد يربك التجارة، وأي امتداد للصراع إلى العراق يمكن أن يضيف جبهة جديدة إلى المشهد.
وهنا تكمن خطورة المرحلة: ليس في تعدد الصراعات وحده، وإنما في احتمال اتصالها ببعضها.
فالشرق الأوسط يعيش اليوم على خط زلزال سياسي، حيث يمكن لحدث محدود أن ينتج ارتدادات أوسع من حجمه، وحيث أصبح ضبط التصعيد أهم من تحقيق انتصار عسكري مؤقت.
إن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد فقط: من الأقوى؟
بل: من يستطيع أن يمنع القوة من تحويل المنطقة كلها إلى ساحة حرب مفتوحة؟
فالناس لا تنظر إلى الصراع من خرائط الجيوش، وإنما من أمنها ومعيشتها ومستقبلها. وبينما تتصارع القوى على النفوذ والردع والمصالح، يبقى المواطن هو أول من يشعر بارتدادات الزلزال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى