
حين يصبح الصمت ملاذًا
كتبت✍️ :هيئة التحرير
هناك مرحلة من الحزن لا يعود فيها الإنسان راغبًا في الشكوى أو في شرح ما يحدث داخله. ليس لأنه فقد القدرة على الكلام، بل لأنه أدرك أن بعض الآلام أعمق من أن تختصرها الكلمات، وأن إعادة الحكاية قد تكون أحيانًا أكثر إرهاقًا من احتمالها. في البداية يبحث عمّن يفهمه، يتحدث ويعتب وينتظر مواساة، ثم يكتشف أن أقرب الناس إليه، مهما أحبوه، قد لا يستطيعون الوصول إلى تلك المنطقة الخفية من روحه؛ فيتوقف عن الشرح، وينسحب من العالم بهدوء.
لا تكون العزلة هنا خصومة مع أحد، ولا هروبًا بالضرورة، بل حاجة إلى التوقف. يفقد الإنسان اهتمامه بأشياء كانت تعنيه، ويصبح الصمت أرحم من الحديث، والوحدة أهدأ من محاولة الظهور بمظهر المتماسك. يريد فقط أن يكون كما هو، بلا أسئلة، ولا تبرير، ولا حاجة إلى إقناع الآخرين بأنه بخير. وفي تلك المساحة الصامتة، يبدأ بمراجعة ما حوله وما في داخله؛ فيكتشف أن كثيرًا مما اتكأ عليه كان مؤقتًا، وأن البشر، مهما صدقت محبتهم، يظلون محدودين في قدرتهم على الفهم والاحتواء.
وهنا يحدث التحول الأعمق: حين تضيق دائرة الذين يستطيع الإنسان أن يبوح لهم، تتسع المساحة التي يلجأ فيها إلى الله. معه لا يحتاج إلى ترتيب حزنه، ولا إلى اختيار الكلمات، ولا إلى إثبات أنه متعب؛ فهو يعلم ما لم يُقَل، ويدرك ما عجز القلب عن صياغته، ويعرف موضع الوجع قبل أن يتحول إلى دعاء.
عندها يتغير معنى الوحدة. فقد يكون الإنسان بين الناس ولا يجد من يفهمه، وقد يجلس وحده فيشعر بقربٍ لا تمنحه كثرة الرفاق. ليست العبرة بمن يحيطون بنا، بل بمن يتجه إليه القلب حين يعجز عن الاحتمال. وربما لهذا تكون بعض العزلات، رغم قسوتها، بداية لاكتشاف معنى آخر للطمأنينة؛ إذ يتعلم الإنسان أن لا يجعل قلبه معلقًا بما يتغير، وأن يجد في الله سندًا لا يتبدل بتبدل الأيام والناس.
قد لا ينتهي الحزن، ولا تعود الحياة كما كانت، لكن شيئًا في الداخل يستقر: يقل انتظار الإنسان من الآخرين، ويزداد اتكاله على الله، ويكتشف أن الصمت لم يكن فراغًا، وأن العزلة لم تكن دائمًا غيابًا، وأنه حين ظن أنه فقد الجميع، كان هناك من لم يغب عنه لحظة.
فبعض الأحزان تُبعدنا عن الناس، لكنها تقرّبنا من الله؛ وبعض الانعزال لا يكون نهاية الطريق، بل اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن أقرب من بقي معه هو الله.



